على مسافة تقارب 17 كيلومتراً جنوب مدينة بوجدور، تمتد أوزيوالت كواحدة من المناطق التي تختصر في جغرافيتها خصوصية المجال الصحراوي المغربي، حيث تتجاور الرمال مع البحر، وتتداخل ملامح البيئة الصحراوية مع امتداد الساحل الأطلسي. وبين الطبيعة الهادئة وذاكرة المكان، تشكلت للمنطقة خصوصية جعلتها حاضرة في الذاكرة المحلية وفي أعمال أدبية تناولت تفاصيل الحياة بها.

أوزيوالت.. حيث تلتقي الرمال بالمحيط

تنتمي أوزيوالت إلى المجال الترابي لإقليم بوجدور، التابع لجهة العيون الساقية الحمراء، وهي جهة يبرز فيها التداخل بين المجال الصحراوي والواجهة الأطلسية. وتشكل طبيعة الموقع أحد أبرز عناصر تميزه، إذ يجمع بين فضاءات صحراوية مفتوحة وامتدادات رملية وواجهة بحرية، ليقدم مشهداً طبيعياً مختلفاً عن الصورة التقليدية للمجال الصحراوي.

وفي هذا التداخل بين اليابسة والماء، يتخذ البحر موقعاً أساسياً في تشكيل هوية أوزيوالت البصرية والجغرافية، بينما تمنح الرمال والكثبان للمكان امتداده الصحراوي. وقد انعكست هذه الخصوصية في بعض الكتابات التي تناولت المنطقة، وقدمتها باعتبارها فضاءً يجمع بين البحر والصحراء في نقطة جغرافية واحدة.

ذاكرة المكان وامتداد المجال الصحراوي

لا تختصر أهمية أوزيوالت في موقعها الطبيعي، إذ يرتبط اسمها أيضاً بذاكرة اجتماعية تشكلت حول أنماط العيش والتنقل والرعي والارتباط بمواقع المياه في المجال الصحراوي.

وتورد مصادر حول تاريخ المجال القبلي بإقليم بوجدور اسم أوزيوالت ضمن مواقع الآبار التي ارتبطت بحركة قبيلة أولاد تيدرارين وانتشارها في المنطقة، بما يعكس أهمية الماء في تحديد مسارات التنقل والاستقرار داخل المجال الصحراوي.

ومن هذه الزاوية، تصبح أسماء المواقع والآبار جزءاً من الذاكرة الجغرافية للسكان، إذ تختزن دلالات مرتبطة بالمسالك والتنقلات وأنماط الحياة التي طبعت المنطقة عبر فترات زمنية مختلفة.

من الجغرافيا إلى الرواية

لم يبق حضور أوزيوالت محصوراً في الجغرافيا والذاكرة المحلية، بل انتقل أيضاً إلى المجال الأدبي. فقد حملت المنطقة عنوان رواية للكاتب سعيد زريبيع، وهي الرواية التي توجت بجائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب في صنف الرواية.

ويرتبط اختيار اسم أوزيوالت بعنوان الرواية بتجربة الكاتب الشخصية، إذ أوضح أن المكان ارتبط بجزء من طفولته، وأن استحضاره في العمل الأدبي كان أيضاً وسيلة للتعريف به وإخراجه من نطاقه الجغرافي الضيق إلى فضاء أوسع.

وتوقفت قراءات نقدية عند حضور المكان في الرواية، خصوصاً من خلال استحضار العلاقة بين البحر والصحراء وتفاصيل الحياة اليومية والذاكرة الإنسانية. وهكذا تحول اسم أوزيوالت من مجرد تحديد جغرافي إلى عنصر أساسي في عمل أدبي يستعيد المكان بوصفه فضاءً للذاكرة والسرد.

مؤهلات طبيعية وسياحية واعدة

تمنح الخصائص الطبيعية لأوزيوالت إمكانات يمكن أن تجعل منها جزءاً من مسارات السياحة الصحراوية بإقليم بوجدور، خاصة أن المنطقة تجمع في فضاء واحد بين المشهد الصحراوي والواجهة الأطلسية.

ولا تقتصر المؤهلات على المناظر الطبيعية، إذ يمكن للتراث الحساني والذاكرة المحلية وأنماط الحياة المرتبطة بالمجال أن تشكل عناصر إضافية في أي تصور مستقبلي لتثمين المنطقة سياحياً وثقافياً.

كما يمنح الموقع البحري للمجال المحيط بأوزيوالت بعداً اقتصادياً، في ظل أهمية الأنشطة المرتبطة بالواجهة الأطلسية لإقليم بوجدور، وعلى رأسها الصيد البحري والموارد البحرية.

غير أن تثمين هذه الإمكانات يحتاج إلى مقاربة تراعي خصوصية المجال، بحيث يجري تطوير النشاط السياحي مع الحفاظ على التوازنات الطبيعية والبيئية التي تمنح المنطقة جزءاً من قيمتها.

تحديات البيئة والتنمية

مثل باقي المجالات الصحراوية، تواجه أوزيوالت تحديات مرتبطة بخصوصية المناخ وندرة الموارد المائية. وتشكل المياه أحد العناصر الأساسية التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند التفكير في أي مشاريع تنموية أو سياحية بالمنطقة.

كما أن هشاشة بعض النظم البيئية الصحراوية تفرض ضرورة اعتماد مقاربة مستدامة في استغلال المجال، خصوصاً في ظل تنامي الاهتمام بالسياحة الطبيعية والصحراوية.

ومن ثم، فإن تطوير المنطقة لا يرتبط فقط بإحداث بنيات استقبال أو تحسين الولوج إليها، وإنما يتطلب أيضاً حماية مكوناتها الطبيعية وتثمين خصوصيتها الثقافية، حتى لا يتحول الاستثمار في المجال إلى عامل ضغط على البيئة.

أوزيوالت.. ذاكرة محلية تستحق التثمين

ساهم حضور أوزيوالت في العمل الأدبي وفي بعض المبادرات الثقافية المحلية في منحها مساحة إضافية للتعريف بها، خصوصاً أن الثقافة يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في إبراز المواقع التي لا تحظى بحضور واسع في الخطاب السياحي والإعلامي.

وفي هذا السياق، شهد إقليم بوجدور مبادرات تهتم بالتراث والإبداع المحلي، من بينها إصدار كتاب «الصحراء بأنامل الشباب» سنة 2025، وهو عمل شارك فيه أطفال وشباب من مؤسسات تعليمية بالإقليم، ويضم أعمالاً إبداعية بين القصص والرسومات.

وتكشف هذه المبادرات عن إمكانية الجمع بين التعريف بالمجال وبين تشجيع الأجيال الجديدة على استحضار محيطها الثقافي والجغرافي، بما يساهم في الحفاظ على الذاكرة المحلية ونقلها إلى الأجيال المقبلة.

وتبقى أوزيوالت، في نهاية المطاف، أكثر من مجرد موقع جنوب بوجدور؛ فهي نقطة تتقاطع فيها عناصر متعددة: البحر والصحراء، الذاكرة والمجال، الثقافة والطبيعة. وهذه الخصوصية تمنحها قيمة يمكن البناء عليها في مجالات السياحة والثقافة والتعريف بالمؤهلات الطبيعية للصحراء المغربية.

ومن هذا المنظور، فإن تثمين أوزيوالت لا ينبغي أن يقتصر على التعريف بمناظرها الطبيعية، بل يمكن أن يمتد إلى تقديمها باعتبارها جزءاً من الذاكرة الجغرافية والثقافية لإقليم بوجدور، ومجالاً تتقاطع فيه المؤهلات الطبيعية مع التراث الحساني والإبداع الثقافي، بما يحافظ على خصوصية المكان ويدعم حضوره ضمن المشهد السياحي والثقافي في الصحراء المغربية.