لم يعد تطور القدرات العسكرية المغربية موضوعاً يقتصر في النقاش الإسباني على سبتة ومليلية والمواقع والجزر القريبة من الساحل المغربي، إذ بدأت جزر الكناري تحضر بصورة أوضح في التحليلات المرتبطة بالبيئة الأمنية لإسبانيا، مدفوعة بالموقع الجغرافي للأرخبيل وبالتطورات التي شهدتها القوات المسلحة المغربية خلال السنوات الأخيرة.

وتبرز في هذا السياق تقارير إعلامية إسبانية أعادت تسليط الضوء على مسار تحديث القوات المسلحة الملكية، خصوصاً في مجالات الطائرات المسيّرة، والاستطلاع والمراقبة، والقدرات البحرية والجوية، إلى جانب الاستثمار في البنية التحتية العسكرية. ولا تعني هذه المعطيات، في حد ذاتها، وجود توجه عسكري مغربي يستهدف جزر الكناري، لكنها تفسر تنامي الاهتمام الإسباني بالتحولات التي تشهدها القدرات العسكرية في الواجهة الأطلسية.

موقع استراتيجي يرفع حساسية الأرخبيل

تستمد جزر الكناري جزءاً مهمّاً من قيمتها الدفاعية من موقعها قبالة الساحل الأطلسي لشمال غرب إفريقيا، وعلى مقربة نسبية من طرق الملاحة التي تربط أوروبا بغرب إفريقيا. ويجعل هذا الموقع الأرخبيل نقطة ذات أهمية بالنسبة إلى مراقبة المجال البحري، ومكافحة الأنشطة غير المشروعة، والتعامل مع تدفقات الهجرة، فضلاً عن حماية الموانئ والمنشآت الحيوية وخطوط الاتصال البحرية.

ومن هذا المنظور، فإن الاهتمام الإسباني بالقدرات العسكرية المغربية لا يرتبط بالضرورة بوجود نزاع مباشر حول الكناري، وإنما يتصل باتساع نطاق الحسابات الأمنية في منطقة الأطلسي القريبة من الأرخبيل.

ملف الحدود البحرية حاضر منذ 2020

أحد أبرز الملفات التي رفعت مستوى الحساسية حول المجال البحري المحيط بالكناري يعود إلى سنة 2020، عندما أقر المغرب إطاراً تشريعياً لتحديث قواعد تحديد مجاله البحري، بما في ذلك المياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة. وأثارت الخطوة في حينها تحفظات إسبانية، بعدما رأت السلطات في جزر الكناري أن بعض المجالات التي يمكن أن تتقاطع مع الترسيم المغربي تتطلب اتفاقاً بين البلدين.

في المقابل، أكدت الرباط آنذاك أن تحديث منظومتها القانونية البحرية يندرج ضمن ممارسة حقوقها وفق القانون الدولي، مع التشديد على استعدادها للحوار مع الدول المجاورة. وبذلك ظل موضوع ترسيم الحدود البحرية ملفاً قانونياً ودبلوماسياً، ولم يتحول إلى مواجهة عسكرية بين البلدين.

مناورات بحرية أعادت الملف إلى الواجهة

شهد عام 2024 تطوراً أعاد النقاش إلى الواجهة، بعدما أعلنت السلطات المغربية عن تدريبات بحرية في مناطق قبالة سواحل الصحراء المغربية. وفي مارس من العام نفسه، حُددت مناطق للمناورات على مسافة تقارب 125 كيلومتراً من أقرب أجزاء جزر الكناري، ولا سيما جنوب فويرتيفنتورا. كما أُعلن لاحقاً عن تدريبات للرماية البحرية في مناطق قريبة من الأرخبيل، قدرت بعض التقارير المسافة بينها وبين فويرتيفنتورا بنحو 140 كيلومتراً.

وأثارت تلك الأنشطة نقاشاً سياسياً في الكناري، خصوصاً بشأن مستوى المعلومات التي كانت متاحة للسلطات المحلية حول التدريبات. وفي أبريل 2024، قال رئيس حكومة جزر الكناري آنذاك إن حكومته لم تكن تملك معلومات كافية بشأن المناورات، وطالب بتوضيح قنوات إبلاغ السلطات الإسبانية والإقليمية.

وتكشف هذه الوقائع أن عامل القرب الجغرافي بات جزءاً أساسياً من النقاش الأمني، حتى في غياب مؤشرات علنية على أن المناورات كانت تستهدف الأرخبيل.

تحديث عسكري مغربي واسع

في موازاة ذلك، واصلت المملكة المغربية تنفيذ برامج لتطوير قدراتها الدفاعية، مع تركيز متزايد على الطائرات المسيّرة، والأنظمة الإلكترونية والاستطلاعية، والدفاع الجوي، والقدرات البحرية والجوية، فضلاً عن تحديث المنشآت العسكرية.

وتبرز منطقة الداخلة في هذا السياق بسبب موقعها الجغرافي في أقصى الجنوب المغربي وإطلالتها على الأطلسي. غير أن الربط المباشر بين تطوير المنشآت العسكرية في هذه المنطقة وبين وجود نية لاستهداف جزر الكناري يبقى استنتاجاً لا تدعمه، في حد ذاته، المعطيات المتاحة؛ فالمنشآت الجنوبية تؤدي أيضاً وظائف مرتبطة بتأمين المجال الترابي والبحري للمملكة على امتداد واجهتها الأطلسية.

مدريد ترفع مستوى الجاهزية في الكناري

في المقابل، لا تبني إسبانيا استعدادها العسكري في الأرخبيل على العامل المغربي وحده. فالمؤسسة العسكرية الإسبانية تنظر إلى الكناري باعتبارها منطقة ذات بيئة أمنية معقدة بحكم موقعها الجغرافي وتعدد المخاطر المحيطة بها.

وفي فبراير 2026، وصف الجنرال ألفونسو باردو دي سانتايانا، رئيس أركان القيادة العسكرية لجزر الكناري، البيئة الاستراتيجية المحيطة بالأرخبيل بأنها «معقّدة جدّاً»، رابطاً ذلك بموقع الجزر الحدودي والمخاطر المرتبطة بالتدفقات غير النظامية والأنشطة غير المشروعة.

وتشمل الحسابات الإسبانية كذلك أمن الممرات البحرية، ومراقبة المجال البحري والجوي، وحماية المنشآت الاستراتيجية، إلى جانب القدرة على التعامل مع حالات الطوارئ والكوارث وتعزيز الوحدات المنتشرة في الجزر عند الحاجة.

أرقام الإنفاق تحتاج إلى قراءة دقيقة

أما المقارنة بين الإنفاق الدفاعي المغربي والإسباني، فتحتاج إلى قدر من التحفظ حتى لا تتحول الأرقام إلى مؤشر مضلل على موازين القوة.

فالمعطيات المتداولة في إسبانيا تشير إلى أن الجهد الدفاعي الإسباني بلغ 33.123 مليار يورو في إطار زيادة الإنفاق التي أعلنتها الحكومة للوصول إلى نسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي أرقام ارتبطت أساساً بجهد الإنفاق المعلن في 2025 واستُخدمت خلال 2026 في تقييم إسبانيا أمام حلف شمال الأطلسي.

أما بالنسبة إلى المغرب، فتشير بيانات وتقارير منشورة خلال 2026 إلى إنفاق دفاعي في حدود 6.7 مليارات يورو، مع اعتماد مبالغ أكبر بكثير في شكل اعتمادات التزام مخصصة لبرامج اقتناء وتجديد المعدات العسكرية على مدى سنوات، وهي ليست مساوية للإنفاق الفعلي خلال سنة واحدة.

وعليه، فإن وضع الرقمين جنباً إلى جنب لا يكفي للحكم على القدرات العسكرية للدولتين، لأن المقارنة تتأثر بحجم الاقتصاد، وبنية القوات المسلحة، وتكاليف التشغيل، والبرامج متعددة السنوات، وطبيعة الالتزامات الدولية لكل طرف.

قراءة أبعد من سيناريو المواجهة

المؤشر الأبرز في النقاش الإسباني لا يتمثل، حتى الآن، في ظهور مواجهة مباشرة بين الرباط ومدريد حول جزر الكناري، بل في انتقال الأرخبيل تدريجياً إلى مساحة أوسع من التفكير الاستراتيجي الإسباني بشأن شمال غرب إفريقيا.

فالمغرب يواصل بناء قدرات عسكرية أكثر تطوراً وتنويعاً، بينما تعزز إسبانيا حضورها الدفاعي في الكناري وتتعامل مع الأرخبيل باعتباره نقطة استراتيجية في الأطلسي. وبين المسارين، تظل الجغرافيا العامل الأكثر تأثيراً: فالقرب بين الضفّتين يجعل أي تحول في القدرات العسكرية أو النشاط البحري قابلاً لأن يحظى باهتمام أمني وسياسي متزايد.

وبالتالي، فإن إدخال جزر الكناري في النقاش الإسباني حول القدرات المغربية لا يعني بالضرورة انتقال العلاقات بين البلدين إلى مرحلة من التصعيد العسكري، بقدر ما يعكس اتساع دائرة الحسابات الاستراتيجية في منطقة الأطلسي، حيث تتقاطع اعتبارات الدفاع والملاحة والهجرة والأمن البحري والمصالح الاقتصادية.