لم يعد النّقاش الدّائر داخل إسبانيا بشأن مدينتي سبتة ومليلية مقتصرا على أبعاد السياسة الخارجية أو تدبير العلاقات مع المغرب، بل امتد إلى صلب البنية الدستورية التي تأسس عليها النظام السياسي الإسباني بعد الانتقال الديمقراطي. فكل حديث عن مستقبل المدينتين يثير أسئلة قانونية وسياسية معقدة تتجاوز مسألة السيادة، لتلامس طبيعة الدولة الإسبانية نفسها، وحدود دستور سنة 1978، والكيفية التي يمكن بها التعامل مع أي تطور مستقبلي دون المساس بالتوازنات التي أرساها هذا الدستور.

وتكتسب هذه الإشكالية أهمية خاصة لأن الدستور الإسباني، رغم اعتباره المرجعية العليا للدولة، لم يتناول وضع سبتة ومليلية بالصيغة التي يتعامل بها مع المبادئ العامة لوحدة الدولة، وهو ما فتح الباب أمام قراءات قانونية وسياسية متباينة حول طبيعة مكانة المدينتين داخل البناء الدستوري الإسباني.

غياب تعريف دستوري مباشر للسّيادة

من أبرز الخصائص التي يلفت إليها عدد من الباحثين في القانون الدستوري الإسباني أن دستور 1978 لا يتضمن نصا يرسم الحدود الخارجية لإسبانيا أو يحدد بشكل جامع مكونات ترابها الوطني، خلافا لما هو معمول به في بعض الدساتير الأخرى.

ويقتصر حضور سبتة ومليلية داخل الوثيقة الدستورية على ثلاثة مواضع أساسية ذات طابع تنظيمي وإداري.

فالمادة 68 تمنح كل مدينة مقعدا واحدا في مجلس النواب، بينما تخصص المادة 69 لكل منهما عضوين في مجلس الشيوخ، في حين تنص الفقرة الانتقالية الخامسة على إمكانية تحولهما إلى مدينتين مستقلتين إذا وافقت مجالسهما البلدية وصادق البرلمان الإسباني على ذلك عبر قانون تنظيمي.

غير أنّ الدستور لا يصف المدينتين في أي موضع بأنهما “جزء لا يتجزأ من التراب الإسباني”، كما لا يقدم تحديدا صريحا لوضعهما السيادي، وهو ما تعتبره بعض القراءات القانونية اختيارا مقصودا من واضعي الدستور، الذين فضلوا تنظيم تمثيلهما السياسي والإداري دون الخوض في تعريف دستوري مباشر لمسألة السيادة.

ويختلف هذا النّهج عن الصّياغات التي وردت لاحقا في قوانين الحكم الذاتي الخاصة بالمدينتين، والتي اعتمدت لغة أكثر وضوحا في التأكيد على ارتباطهما بالدولة الإسبانية.

تأخّر الحكم الذّاتي وصيغة قانونية استثنائية

ورغم دخول الدستور الإسباني حيز التنفيذ سنة 1978، فإن سبتة ومليلية لم تحصلا على نظاميهما للحكم الذاتي إلا سنة 1995، أي بعد سبعة عشر عاما من إقرار الدستور.

وقد نصّ القانون التنظيمي الخاص بكل مدينة على أنها “جزء لا يتجزأ من الأمة الإسبانية وفي إطار وحدتها التي لا تنفصم”، وهي العبارة التي أصبحت منذ ذلك الحين المرجعية القانونية الأساسية التي تستند إليها مدريد في تأكيد سيادتها على المدينتين.

إلّا أنّ المسار الذي أوصل المدينتين إلى الحكم الذاتي لم يكن هو المسار المنصوص عليه في الفقرة الانتقالية الخامسة من الدستور، بل تم عبر المادة 144، التي تسمح بمنح وضع خاص في ظروف استثنائية.

وبذلك ظلّ وضع سبتة ومليلية مختلفا عن الأقاليم السبعة عشر ذاتية الحكم، إذ لا تتمتعان بالاختصاصات التشريعية الواسعة التي تتمتع بها جهات مثل كاتالونيا أو الأندلس أو إقليم الباسك.

وقد كرّست المحكمة الدستورية الإسبانية هذا التّمييز في حكم صادر سنة 2006، عندما اعتبرت أن سبتة تتمتع بـ”نظام فريد من الحكم الذاتي المحلي”، مؤكدة أنها جزء من الأمة الإسبانية لكنها لا تشكل إقليما ذاتيا بالمعنى الدستوري الكامل، وهو المنطق ذاته الذي ينطبق على مليلية.

ويعني ذلك أنّ البناء القانوني الخاص بالمدينتين يقوم على صيغة استثنائية تجمع بين الإدارة المحلية الموسعة والانتماء للدولة الإسبانية، دون الاندماج الكامل في نظام الجهات ذاتية الحكم.

“نظام 1978” أمام اختبار سياسي

داخل هذا الإطار القانوني، برزت في الآونة الأخيرة قراءات سياسية تعتبر أن أي نقاش مستقبلي بشأن سبتة ومليلية لن يكون مجرد قضية دبلوماسية بين مدريد والرباط، بل سيضع الأسس التي قام عليها النظام السياسي الإسباني أمام اختبار غير مسبوق.

ومن أبرز من تبنى هذا الطرح المحلل الاقتصادي والمدير التنفيذي لمنصة “Negocios TV”، خوسيه فيثنر، الذي يرى أن المشكلة لا تكمن في احتمال سقوط حكومة إسبانية نتيجة فتح باب التفاوض، وإنما في انعكاسات ذلك على ما يعرف داخل إسبانيا بـ”نظام 1978”.

ويستند هذا الرأي إلى أن الدستور الإسباني أقام عقيدته الدستورية على مبدأ وحدة الدولة، وهو ما تنص عليه المادة الثانية التي تؤكد “الوحدة غير القابلة للانفصال للأمة الإسبانية”، بينما تمنح المادة الثامنة القوات المسلحة مهمة الدفاع عن سيادة الدولة وسلامة أراضيها والنظام الدستوري.

ومن هذا المنطلق، يرى أصحاب هذا الاتّجاه أن مجرد القبول السياسي بمناقشة مستقبل سبتة أو مليلية قد يثير تناقضا مع الموقف التقليدي الذي تبنته الحكومات الإسبانية والمحكمة الدستورية في مواجهة الحركات الانفصالية، خاصة في كاتالونيا وإقليم الباسك، حيث رفضت مدريد باستمرار أي تفاوض يمس وحدة الدولة.

وبالتّالي، فإن السؤال الذي قد يفرض نفسه داخليا يتمثل في كيفية تبرير قبول التفاوض حول مدينتين تعتبرهما القوانين الإسبانية جزءا من الأمة، في الوقت الذي يجري فيه رفض أي نقاش مماثل بشأن أقاليم تقع داخل شبه الجزيرة الإيبيرية.

هل يفرض التّفاوض تعديل الدّستور؟

ورغم الطّابع السياسي الحساس لهذه الفرضية، فإن الجانب القانوني يبدو أكثر تعقيدا مما يوحي به الخطاب السياسي.

فمجرد الدّخول في مفاوضات مع المغرب لا يؤدي تلقائيا إلى تفعيل المادة 168 من الدستور الإسباني، التي تعد أكثر مساطر تعديل الدستور تعقيدا.

وتنص المادة 94 على ضرورة الحصول على موافقة البرلمان قبل إبرام أي معاهدة تمس الوحدة الترابية للدولة، بينما تنص المادة 95 على أنه إذا تعارضت المعاهدة مع الدستور، فلا يمكن المصادقة عليها إلا بعد تعديل النص الدستوري.

أمّا المادة 168 فلا تصبح واجبة التطبيق إلا إذا كان التعديل يمس الباب التمهيدي للدستور، بما في ذلك المادة الثانية المتعلقة بوحدة الأمة الإسبانية، أو النظام الملكي أو بعض الحقوق الأساسية.

وفي هذه الحالة، يتعين الحصول على موافقة ثلثي مجلسي النواب والشيوخ، ثم حل البرلمان، وإجراء انتخابات عامة جديدة، قبل إعادة التصويت بالأغلبية نفسها، ثم عرض التعديل وجوبا على استفتاء شعبي.

لذلك، فإنّ أي حديث عن أن مجرد التفاوض يؤدي حتما إلى حل البرلمان أو تنظيم استفتاء لا يستند إلى قراءة دقيقة للنصوص الدستورية، إذ إن ذلك يبقى رهينا بطبيعة الاتفاق المفترض ومدى تعارضه مع المواد المحصنة في الدستور.

رمزيّة الزّيارات الملكية

إلى جانب الجوانب القانونية، يبرز بعد رمزي لا يقل أهمية، يتمثل في غياب أي زيارة رسمية قام بها الملك فيليبي السادس إلى سبتة أو مليلية منذ اعتلائه العرش سنة 2014.

وكانت آخر زيارة ملكية رسمية قد جرت سنة 2007 عندما زار الملك السابق خوان كارلوس والملكة صوفيا المدينتين، وهي زيارة أدت آنذاك إلى توتر دبلوماسي مع المغرب.

ورغم أنّ القصر الملكي استقبل خلال السنوات الماضية مسؤولي المدينتين في مدريد، فإن عدم قيام الملك بزيارة رسمية إليهما يعكس حجم الحساسية السياسية المحيطة بالملف.

ولا يشكّل هذا الغياب دليلا قانونيا على وجود تردد في مسألة السيادة، لأن برنامج الزيارات الملكية تحدده الحكومة الإسبانية في ضوء اعتبارات السياسة الخارجية، إلا أنه يكشف إدراك المؤسسة الرسمية للطابع الاستثنائي الذي تتمتع به المدينتان في العلاقات المغربية الإسبانية.

التّاريخ الإسباني وتجارب الأزمات التّرابية

وتعزّز التّجربة التاريخية هذا الإدراك، إذ تظهر أن الأزمات الترابية لم تكن في الغالب مجرد أحداث خارجية، بل تحولت إلى عوامل كشفت هشاشة الأنظمة السياسية الإسبانية.

فخسارة كوبا وبورتوريكو والفلبين سنة 1898 لم تؤد مباشرة إلى انهيار نظام “الاستعادة”، لكنها أحدثت صدمة وطنية عميقة ساهمت في إضعاف شرعيته.

كما أنّ تداعيات هزيمة معركة أنوال سنة 1921 عمقت أزمة الدولة والجيش، وأسهمت في تهيئة المناخ الذي أفضى إلى انقلاب ميغيل بريمو دي ريفيرا سنة 1923.

أمّا الانسحاب الإسباني من الصحراء سنة 1975 فقد جاء متزامنا مع نهاية عهد الجنرال فرانكو وبداية مرحلة الانتقال الديمقراطي، دون أن يكون العامل الوحيد في انهيار النظام السابق.

ومن ثمّ، فإن الذاكرة السياسية الإسبانية تنظر إلى الملفات الترابية باعتبارها قضايا ذات تأثير يتجاوز حدود السياسة الخارجية، وتمتد إلى استقرار المؤسسات الداخلية وتوازن النظام السياسي.

سبتة ومليلية.. أكثر من نزاع حدودي

يكشف الجدل المتنامي حول سبتة ومليلية أن القضية لا ترتبط فقط بالنزاع السياسي بين المغرب وإسبانيا، بل تمثل بالنسبة إلى مدريد ملفا دستوريا وسياديا شديد الحساسية، تتداخل فيه اعتبارات القانون الدستوري مع الحسابات السياسية والتاريخية والرمزية.

ورغم أنّ الإطار القانوني الإسباني الحالي يمنح المدينتين مكانة راسخة داخل مؤسسات الدولة، فإن خصوصية بنائهما الدستوري، وتأخر استكمال وضعيتهما القانونية، واختلاف نظامهما عن بقية الأقاليم ذاتية الحكم، كلها عناصر تجعل أي نقاش مستقبلي بشأنهما يتجاوز حدود العلاقات الثنائية، ليطرح تساؤلات عميقة حول قدرة “نظام 1978” على استيعاب تحولات قد تمس إحدى أكثر القضايا حساسية في الدولة الإسبانية.