يدخل المغرب وإسبانيا مرحلة جديدة من المنافسة على الاستثمارات المرتبطة بصناعة السيارات، في وقت تتجه فيه السوق الأوروبية بوتيرة متسارعة نحو المركبات الكهربائية، وتتحول البطاريات ومكوناتها إلى إحدى أهم حلقات سلسلة القيمة الصناعية الجديدة.
وخلال السنوات الأخيرة، عزز المغرب موقعه كمنصة لتصنيع السيارات ومكوناتها وتصديرها، مستفيدا من بنيته الصناعية وموقعه القريب من الأسواق الأوروبية، بينما بدأ يوسع طموحه من تصنيع المركبات ومكوناتها إلى احتضان أنشطة مرتبطة مباشرة بالسيارات الكهربائية، وعلى رأسها صناعة البطاريات.
وتؤكد المعطيات الرسمية لوزارة الصناعة والتجارة أن قطاع السيارات أصبح أحد القطاعات الصناعية الاستراتيجية في المملكة، مع وجود منظومات صناعية تشمل البطاريات ومكونات السيارات ومحركاتها، إلى جانب مصانع كبرى تابعة لمجموعات دولية.
البطاريات.. الرهان الصناعي الجديد
في مقدمة المشاريع التي تعكس هذا التحول، يأتي مشروع مجموعة Gotion High-Tech لإنشاء مصنع متكامل للبطاريات في جهة الرباط-سلا-القنيطرة.
وكانت الحكومة المغربية قد أعلنت، عند توقيع الاتفاق الاستثماري في يونيو 2024، أن المشروع يمثل أول مصنع «غيغافاكتوري» للبطاريات في المغرب والمنطقة، باستثمار معلن قدره 12.8 مليار درهم، مع توقع إحداث 17 ألف منصب شغل مباشر وغير مباشر ومحدث، بينها 2300 وظيفة ذات مهارات عالية.
وتطورت المعطيات المالية المرتبطة بالمشروع منذ ذلك الحين. ففي يوليوز 2026، أعلن البنك الإفريقي للتنمية موافقته على قرض بقيمة 100 مليون يورو لدعم تطوير المصنع، الذي تقوده Gotion High-Tech، مع استثمار أولي للمشروع يقدر بنحو 1.3 مليار دولار وفق المعطيات التي أوردها البنك وشركاؤه. ومن المنتظر أن تبلغ الطاقة الأولية للمصنع 10 غيغاواط/ساعة سنويا من بطاريات فوسفات الحديد والليثيوم، مع إمكانية رفعها مستقبلا إلى 100 غيغاواط/ساعة.
ويستهدف المشروع إنتاج البطاريات ومكوناتها للتصدير، خصوصا نحو السوق الأوروبية، بما يعزز موقع المغرب داخل سلسلة الإمداد المرتبطة بالسيارات الكهربائية.
ولا يقتصر بناء منظومة البطاريات على مشروع واحد، إذ سبق للمغرب أن وقع اتفاقا مع مجموعة BTR New Material Group لإنشاء وحدة لإنتاج الكاثود، وهو مكون أساسي في بطاريات السيارات الكهربائية، باستثمار يبلغ 3 مليارات درهم، مع توقع توفير أكثر من 2500 منصب شغل.
من تصنيع السيارات إلى منظومة متكاملة
يعكس هذا المسار محاولة مغربية للانتقال من استقطاب مصانع تجميع السيارات ومكوناتها إلى بناء منظومة صناعية أكثر تكاملا تشمل التقنيات والمواد المرتبطة بالسيارة الكهربائية.
ويشكل مصنع Stellantis بالقنيطرة أحد أبرز الأمثلة على توسع هذه المنظومة. فقد رفعت المجموعة قدراتها الإنتاجية في الموقع، كما طورت أنشطة مرتبطة بالتنقل الكهربائي، من بينها إنتاج مركبات كهربائية خفيفة، وإطلاق تصنيع شواحن السيارات الكهربائية.
ووفق وزارة الصناعة والتجارة، سترتفع الطاقة الإجمالية للمصنع إلى 535 ألف مركبة سنويا، بما في ذلك أنشطة التنقل الخفيف، فيما يرتقب أن تساهم التوسعات في إحداث أكثر من 3000 منصب شغل إضافي، فوق 3500 موظف يعملون بالمصنع حاليا.
وتخطط المجموعة كذلك لرفع مستوى الاندماج المحلي، إذ تشير المعطيات الرسمية إلى أن مشترياتها من الموردين الموجودين بالمغرب يفترض أن تتجاوز 6 مليارات يورو بحلول 2030، مع استهداف معدل اندماج محلي يبلغ 75 في المائة.
إسبانيا.. منافس يمتلك قاعدة صناعية راسخة
في الجهة المقابلة، تدخل إسبانيا هذا السباق وهي تمتلك قاعدة صناعية أكثر رسوخا وخبرة طويلة في تصنيع السيارات، فضلا عن ارتباطها المباشر بالسوق الأوروبية وسلاسل الإمداد داخل الاتحاد الأوروبي.
وتستند القدرة التنافسية الإسبانية إلى وجود مصانع وموردين وشبكات لوجستية متطورة، إلى جانب حضور عدد من كبار المصنعين العالميين. كما تعمل مدريد على جذب استثمارات جديدة في مجال السيارات الكهربائية والبطاريات، في محاولة للحفاظ على مكانتها داخل التحول الصناعي الذي تشهده القارة.
وبذلك، لا تبدو المنافسة بين المغرب وإسبانيا مقتصرة على استقطاب مصانع السيارات التقليدية، بل تمتد إلى القطاعات التي ستحدد مستقبل صناعة السيارات الأوروبية، وفي مقدمتها البطاريات والمواد الأولية والمكونات الإلكترونية وحلول الشحن.
الموقع واللوجستيك.. ورقة مغربية إضافية
ويمنح الموقع الجغرافي للمغرب ميزة مهمة في هذا السباق، نظرا لقربه من أوروبا واتصاله بشبكات النقل البحرية، إلى جانب البنية التحتية المينائية التي تدعم حركة السيارات والمكونات.
ويبرز ميناء طنجة المتوسط بشكل خاص باعتباره أحد المكونات الرئيسية في المنظومة اللوجستية المغربية المرتبطة بالصناعة والتصدير، فيما تعمل المملكة على توسيع قدراتها المينائية مع تطوير مشاريع جديدة، من بينها ميناء الناظور غرب المتوسط.
وتعزز هذه البنية قدرة المصانع الموجودة بالمغرب على ربط الإنتاج بالأسواق الأوروبية، وهو عامل تزداد أهميته كلما أصبحت سلاسل الإمداد أقصر وأكثر حساسية للتكلفة والبصمة الكربونية.
منافسة تتجاوز تكلفة اليد العاملة
وتشير التجربة المغربية في صناعة السيارات إلى أن جاذبية المملكة لا ترتبط بعامل واحد، بل بمجموعة من العناصر تشمل القرب من أوروبا، والمناطق الصناعية، والبنية اللوجستية، وتوفر اليد العاملة، إضافة إلى الحوافز الموجهة للاستثمار الصناعي.
كما تعمل المملكة على تطوير منظومة مرتبطة بالطاقة والمواد اللازمة للصناعات الخضراء، في وقت تتحول فيه صناعة البطاريات إلى عنصر حاسم في التنافس على الاستثمارات الجديدة.
وتكشف هذه التحولات أن السباق المغربي-الإسباني في قطاع السيارات يدخل مرحلة مختلفة؛ فالمنافسة لم تعد تدور فقط حول عدد السيارات التي يمكن إنتاجها، وإنما حول من يستطيع بناء سلسلة صناعية متكاملة للسيارة الكهربائية، تبدأ من المواد والمكونات والبطاريات ولا تنتهي عند تصنيع المركبة وتصديرها إلى السوق الأوروبية.
وبينما تراهن إسبانيا على خبرتها الصناعية واندماجها العميق في السوق الأوروبية، يحاول المغرب توظيف موقعه الجغرافي وتكاليفه الصناعية وبنيته التصديرية لاستقطاب جزء أكبر من الاستثمارات المرتبطة بالتحول نحو التنقل الكهربائي.





