شهد محيط سفارة المملكة المغربية في العاصمة الإسبانية مدريد، مساء الجمعة، تجمعًا دعا إليه اليمين المتطرف احتجاجًا على موجة الهجرة الأخيرة نحو مدينة سبتة، غير أن المظاهرة أثارت جدلًا واسعًا بعد رصد مشاركين وهم يؤدون التحية النازية بشكل علني، وفق ما وثقه صحافي لوكالة فرانس برس كان حاضرًا في مكان الاحتجاج.
وذكرت الوكالة أن مئات المحتجين تجمعوا بشارع سيرانو، حيث توجد السفارة المغربية، مرددين شعارات اعتبرت دخول المهاجرين إلى سبتة بمثابة “غزو”، في تصعيد لافت للخطاب المعادي للهجرة.
شعارات قوميّة ورموز متطرّفة
واتّسمت المظاهرة بحضور عدد من المشاركين بملابس سوداء، فيما رُفعت لافتات وشعارات من قبيل “إسبانيا مسيحية وليست مسلمة” و”الوحدة الوطنية”، إضافة إلى لافتة كبيرة تدعو إلى “إعادة الهجرة”، وهو مصطلح تتبناه تيارات اليمين المتطرف في أوروبا للمطالبة بترحيل المهاجرين ومن ينحدرون من أصول مهاجرة.
وأضافت فرانس برس أن عدداً من المحتجين أدوا التحية النازية من دون إخفاء هوياتهم، بينما رُفعت الأعلام الإسبانية ورددت هتافات تتهم حكومة رئيس الوزراء بيدرو سانشيز بـ”بيع إسبانيا للمسلمين”. وفي المقابل، فرضت قوات الأمن طوقًا أمنيًا حول مقر السفارة، مدعومًا بمروحية وطائرة مسيرة لمراقبة مجريات التجمع.
من يقف وراء الدّعوة إلى الاحتجاج؟
وجاءت الدّعوة إلى هذه المظاهرة من تنظيم يحمل اسم “نواة وطنية” تحت شعار: “دافع عن إسبانيا.. الشعب وحده ينقذ الشعب”. كما أعلنت الحركة عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي انضمامها إلى الاحتجاج، في حين روجت له أيضًا حسابات مرتبطة بـ”الفلانخي الإسباني”.
وتصف مصادر إعلامية إسبانية تنظيم “نواة وطنية” بأنه من التنظيمات اليمينية المتطرفة الحديثة التي برزت عقب احتجاجات شارع فيراز، ويتبنى خطابًا قوميًا متشددًا مناهضًا للهجرة، مع اعتماد مظهر موحد قائم على الملابس السوداء وتنظيم استعراضات توصف بأنها ذات طابع شبه عسكري.
كما نقلت إذاعة كادينا سير عن مختصين في مكافحة التطرف والاستخبارات أن التنظيم يمثل مستوى مرتفعًا من الخطورة فيما يتعلق بالتحريض على الكراهية، مشيرين إلى أن أنصاره سبق أن رددوا شعارات مثل “زيغ هايل” و”إسبانيا ستكون فاشية”.
هل تعد التحيّة النّازية جريمة في القانون الإسباني؟
من النّاحية القانونية، لا يتضمّن التّشريع الإسباني نصًا يجرّم التحية النازية باعتبارها فعلًا مستقلاً، خلافًا لما هو معمول به في ألمانيا. وبالتالي، فإن مجرد أداء هذه الحركة لا يعني تلقائيًا تعرض صاحبها لعقوبة جنائية.
غير أنّ الأمر يختلف إذا ارتبطت التحية بسياق يتضمن التحريض على الكراهية أو التمييز أو العنف ضد أشخاص أو جماعات بسبب الأصل أو العرق أو الدين أو الجنسية، حيث يمكن أن تصبح جزءًا من جريمة كراهية يعاقب عليها القانون.
وتنص المادّة 510 من القانون الجنائي الإسباني على عقوبات تتراوح بين سنة وأربع سنوات سجناً، إضافة إلى غرامات مالية، بحق كل من يحرض علنًا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على الكراهية أو العنف أو التمييز لأسباب عنصرية أو دينية أو مرتبطة بالأصل القومي. كما تشمل العقوبات تمجيد مرتكبي جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية إذا أدى ذلك إلى خلق مناخ من العداء والكراهية.
وبناءً على ذلك، فإنّ أي تقييم قانوني للأحداث التي شهدتها مدريد سيأخذ بعين الاعتبار مجمل الوقائع، بما في ذلك التحية النازية، والشعارات المعادية للمسلمين والمغاربة، والدعوات إلى الترحيل الجماعي، وهوية الفئات المستهدفة، ومدى توافر عناصر التحريض على العنف أو التمييز.
رمز ارتبط بتاريخ النّازية
تُعرف الحركة باسم “تحية هتلر” أو “التحية النازية”، وارتبطت بالنظام النازي في ألمانيا خلال ثلاثينيات القرن الماضي، حيث كانت تؤدى بذراع ممدودة مصحوبة بعبارة “هايل هتلر”، باعتبارها رمزًا لإظهار الولاء لأدولف هتلر.
ويشير متحف الهولوكوست الأمريكي إلى أن هذه التحية تحولت آنذاك إلى ما عرف بـ”التحية الألمانية”، وأصبحت إحدى الأدوات الرمزية لترسيخ عبادة الزعيم وإخضاع المجتمع لسلطة النظام النازي.
تصاعد جرائم الكراهية يثير المخاوف
تأتي هذه التطورات في سياق يشهد ارتفاعًا ملحوظًا في جرائم الكراهية بإسبانيا. ووفق بيانات وزارة الداخلية الإسبانية، سُجل خلال سنة 2025 ما مجموعه 2417 جريمة وحادثة كراهية، بزيادة بلغت 23.6 في المائة مقارنة بالسنة السابقة، وهي أعلى حصيلة منذ بدء اعتماد الإحصائيات الرسمية سنة 2014.
وتصدّرت الجرائم ذات الدّوافع العنصرية وكراهية الأجانب القائمة بـ934 حالة، في حين ارتفعت الاعتداءات المرتبطة بالإسلاموفوبيا بنسبة 133 في المائة، وسجلت الجرائم المرتكبة عبر الإنترنت زيادة بلغت 450 في المائة. كما أظهرت المعطيات أن المغاربة كانوا أكبر مجموعة بين الضحايا الأجانب، بنسبة تقارب 10 في المائة من مجموع الحالات المسجلة.
أزمة الهجرة وخطاب الكراهية.. علاقة تتجاوز الاحتجاج
تعكس الوقائع التي شهدتها مدريد أن أزمة الهجرة أصبحت ورقة توظفها بعض التيارات اليمينية المتطرفة لتوسيع خطابها السياسي والإيديولوجي، من خلال الربط بين تدفقات المهاجرين وقضايا الهوية والأمن. كما أن استحضار رموز مرتبطة بالنازية داخل فضاء عام يمنح هذه الأحداث بعدًا يتجاوز الاحتجاج السياسي، ويعيد إلى الواجهة النقاش حول تنامي خطابات الكراهية واستهداف المهاجرين، وفي مقدمتهم المغاربة والمسلمون، في ظل بيئة أوروبية تشهد تصاعدًا ملحوظًا في أنشطة اليمين المتطرف.




