يستعد مجلس الأمن الدولي لبحث ملف الصحراء المغربية مجدداً، قبل انتهاء الولاية الحالية لبعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء “المينورسو” في 31 أكتوبر المقبل، في ظل تغيرات طرأت على تركيبة المجلس مقارنة بالعام الماضي، وبقاء القرار 2797 مرجعية أساسية للنقاشات المرتقبة.

ويأتي هذا الاستحقاق في سياق سياسي جديد بالنسبة إلى المغرب، بعدما جعل القرار السابق مقترح الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات، في وقت شهدت فيه عضوية مجلس الأمن تغييرات تمثلت أساساً في خروج الجزائر ودخول دول تتبنى مواقف داعمة للوحدة الترابية للمغرب أو لمبادرة الحكم الذاتي.

ورغم هذه المعطيات، فإن اعتماد القرار المقبل لا يبدو مرتبطاً فقط بتركيبة المجلس، إذ يتطلب تأمين تسعة أصوات على الأقل، إلى جانب تفادي استخدام حق النقض من قبل أي من الأعضاء الدائمين. وفي المقابل، فإن امتناع روسيا أو الصين لا يحول دون تمرير القرار، بينما يمكن لاستخدام الفيتو من طرف أي منهما أن يسقط المشروع.

القرار 2797 يحدد أرضية النقاش المقبل

يمثّل القرار 2797 المنطلق الأساسي للمشاورات المرتبطة بالقرار الجديد، بعدما اعتمده مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025 بأحد عشر صوتاً، مقابل امتناع روسيا والصين وباكستان، فيما لم تشارك الجزائر في التصويت.

وبموجب القرار ذاته، جرى تمديد ولاية “المينورسو” لمدة عام كامل، إلى غاية 31 أكتوبر 2026، كما منح مقترح الحكم الذاتي المغربي موقعاً محورياً في المسار السياسي، من خلال الدعوة إلى إجراء مفاوضات تنطلق من المبادرة المغربية بهدف التوصل إلى حل عادل ودائم ومقبول من الأطراف.

كما أشار القرار إلى أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يمكن أن يشكل أحد الحلول الأكثر قابلية للتطبيق، مع الترحيب بالمقترحات البناءة التي قد تقدمها الأطراف استجابة للمبادرة المغربية.

وفي المقابل، لم يحسم القرار الوضع القانوني للإقليم ولم يتضمن اعترافاً أممياً مباشراً بالسيادة المغربية، إذ أبقى على الإشارة إلى تقرير المصير والحل السياسي المتوافق عليه. كما طلب إجراء مراجعة استراتيجية لمستقبل ولاية “المينورسو”، ما يجعل القرار المقبل أمام ملفين متداخلين، يتعلق الأول بتثبيت موقع الحكم الذاتي داخل المسار السياسي، والثاني بتحديد طبيعة الدور الذي ستضطلع به البعثة خلال المرحلة المقبلة.

الصياغة قبل التصويت.. معركة الأصوات والفيتو

تبدأ معركة اعتماد القرار المقبل قبل موعد التصويت، من خلال المفاوضات التي ستجرى بشأن مشروع النص بعد مناقشة تقرير الأمين العام والتطورات المرتبطة بالمسار السياسي وعمل “المينورسو”، إلى جانب خلاصات المراجعة الاستراتيجية المرتقبة لمستقبل البعثة.

وتتولّى الولايات المتحدة، باعتبارها حاملة القلم، إعداد المسودة الأولى، قبل عرضها على أعضاء المجلس وإدخال التعديلات المقترحة عليها.

وتكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة، لأن أي تغيير في الصياغة المتعلقة بالحكم الذاتي أو تقرير المصير أو مستقبل المهمة الأممية يمكن أن يؤثر في مواقف أعضاء المجلس، سواء من حيث توسيع دائرة المؤيدين أو زيادة تحفظات بعض الدول.

ويحتاج القرار إلى تسعة أصوات على الأقل، شرط ألا يعترض عليه أي عضو دائم. ولذلك يمكن أن يمر المشروع في حال امتناع روسيا أو الصين عن التصويت، لكنه قد يسقط في حال استخدام إحدى الدولتين حق النقض، حتى لو حظي بتأييد أغلبية أعضاء المجلس.

مواقف القوى الدائمة ودور روسيا والصين

تشكّل مواقف الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة قاعدة داعمة للمشروع، وإن كانت مواقف الدول الثلاث تختلف من حيث طبيعة دعمها للمغرب.

فالولايات المتحدة وفرنسا تعترفان بالسيادة المغربية على الصحراء وتعتبران الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً للحل، في حين تدعم بريطانيا المبادرة المغربية باعتبارها الأكثر صدقية وقابلية للتطبيق وواقعية، من دون إعلان اعتراف مماثل بالسيادة المغربية.

وتحظى الولايات المتحدة بدور إضافي باعتبارها حاملة القلم والمسؤولة عن إعداد مشروع القرار وقيادة المشاورات بشأنه، بينما تمثل فرنسا الداعم الدائم الأكثر تطابقاً معها في الموقف من السيادة المغربية.

أمّا بريطانيا، فتجمع بين دعم مقترح الحكم الذاتي والتمسك بالتوصل إلى حل متوافق عليه يوفر تقرير المصير.

وفي المقابل، امتنعت روسيا والصين عن التصويت على القرار 2797، بعدما سجلتا تحفظات بشأن توازن الصياغة وطريقة إعداد النص، مع تمسكهما بالمسار الأممي وبحل عادل ودائم ومتوافق عليه.

ورغم أن امتناعهما لم يمنع اعتماد القرار السابق، فإن عضويتهما الدائمة تجعل موقفهما من مشروع القرار الجديد عاملاً مؤثراً في تحديد الصياغة النهائية التي يمكن تمريرها داخل المجلس.

تركيبة جديدة بعد خروج الجزائر

عرف مجلس الأمن مع نهاية سنة 2025 تغييراً في تركيبته، بعدما غادرت الجزائر وغويانا وكوريا الجنوبية وسيراليون وسلوفينيا، وحلت محلها البحرين وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ولاتفيا وليبيريا.

ويمنح هذا التغيير المغرب تركيبة تبدو أكثر ملاءمة، خصوصاً مع دخول دول تتبنى مواقف داعمة للوحدة الترابية للمملكة أو لمبادرة الحكم الذاتي.

غير أن خروج الدول الخمس السابقة لا يعني أنها كانت جميعاً في موقع معارض للمغرب، إذ كانت الجزائر الأكثر اعتراضاً على مضمون القرار 2797 واختارت عدم المشاركة في التصويت، بينما صوتت غويانا وكوريا الجنوبية وسلوفينيا لصالح القرار دعماً لاستمرار “المينورسو” والمسار الأممي والحل المتوافق عليه، مع تمسك بعضها بتقرير المصير وعدم اعتبار النص حاسماً في مسألة السيادة.

وكانت سيراليون أكثر وضوحاً في دعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي.

وبانتهاء عضوية الجزائر، فقدت الأخيرة حق التصويت داخل مجلس الأمن وموقعها في مشاوراته، دون أن يعني ذلك غيابها بشكل كامل عن مناقشات الملف، إذ يمكن للدول غير الأعضاء المشاركة في بعض المناقشات دون تصويت عندما تكون مصالحها متأثرة بالقضية المطروحة أو عندما تكون طرفاً في نزاع يناقشه المجلس.

البحرين وليبيريا والكونغو الديمقراطية في المجلس

دخلت البحرين وليبيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية مجلس الأمن بمواقف داعمة للوحدة الترابية للمغرب، سبق أن تجسدت من خلال افتتاح تمثيليات قنصلية في الأقاليم الجنوبية.

فقد افتتحت ليبيريا قنصليتها العامة في الداخلة في 12 مارس 2020، تلتها البحرين بافتتاح قنصليتها العامة في العيون في 14 دجنبر من السنة نفسها، قبل أن تفتتح جمهورية الكونغو الديمقراطية قنصليتها العامة في الداخلة في 19 دجنبر 2020.

واستمرّ دعم الدول الثلاث للمغرب في مواقفها اللاحقة، سواء من خلال تأييد السيادة المغربية على الصحراء أو دعم مبادرة الحكم الذاتي في إطارها، وهو ما يمنح دخولها إلى مجلس الأمن دلالة تتجاوز مجرد استبدال أعضاء بآخرين.

كولومبيا تغيّر موقفها من “الجمهورية الصحراوية”

وتبرز كولومبيا ضمن المتغيرات التي طرأت على المشهد الدبلوماسي المرتبط بالقضية، بعدما راجعت موقفها من الاعتراف بما يسمى “الجمهورية الصحراوية”، الذي كانت الحكومة السابقة في عهد الرئيس اليساري غوستافو بيترو قد تبنته.

وأعلنت بوغوتا في 10 غشت 2026 تجميد علاقاتها معها والاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء، إلى جانب وقف أي دعم لها داخل الأمم المتحدة ومجلس الأمن.

كما تندرج بنما ضمن الدول التي تدعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية، بعدما قطعت علاقاتها مع “الجمهورية الصحراوية” واعتبرت المبادرة المغربية أساساً جدياً وواقعياً للحل.

وكانت بنما قد صوتت لصالح القرار 2797، مع احتفاظها بلغة أكثر تحفظاً في تفسير تصويتها، تجمع بين دعم الحكم الذاتي والتأكيد على الحل المتوافق عليه وتقرير المصير.

أمّا الصومال، فقد صوت بدوره لصالح القرار 2797، وجدد بعد اعتماده دعمه للوحدة الترابية للمغرب وسيادته على كامل ترابه، كما رحب بالمضامين المرتبطة بمبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية.

مواقف أوروبية متفاوتة

على المستوى الأوروبي، تعتبر الدانمارك مقترح الحكم الذاتي مساهمة جادة وذات مصداقية وأساساً جيداً للتوصل إلى حل متوافق عليه، مع تأكيدها أن تصويتها لصالح القرار 2797 لا يشكل اعترافاً بالسيادة المغربية، وتمسكها في الوقت نفسه بتقرير المصير والحل المقبول من الأطراف.

أمّا اليونان، فقد أكدت في شتنبر 2026 دعمها لإجراء المفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي، معتبرة إياه مساهمة جادة وذات مصداقية يمكن أن تمثل حلاً قابلاً للتطبيق.

وتزداد أهمية الموقف اليوناني بالنظر إلى تولي أثينا رئاسة مجلس الأمن خلال أكتوبر، وإعلانها أنها ستساهم بهذه الصفة في تشكيل القرار، مع استمرار الولايات المتحدة في حمل القلم.

وفي المقابل، لا تزال لاتفيا لا تعلن موقفاً رسمياً واضحاً من الملف، مفضلة تبني موقف يوصف بالحياد، وإن كانت عضويتها في الاتحاد الأوروبي تجعل انسجامها مع الموقف المشترك للاتحاد عاملاً في قراءة موقفها المحتمل.

باكستان تظل في دائرة الحسابات

وتبقى باكستان من الدول التي قد تكرر موقف الامتناع، بعدما قالت عقب اعتماد القرار 2797 إن التغييرات التي طرأت على النص لم تعكس بالشكل الكافي موقفها المبدئي والثابت.

وكان ناصر بوريطة قد ربط امتناع باكستان بحساباتها المتعلقة بنزاع كشمير مع الهند، ما يجعل موقفها من الصيغة الجديدة أحد العناصر التي ستؤخذ بعين الاعتبار خلال المفاوضات السابقة للتصويت.

بوريطة يستحضر التحرّك المغربي داخل المجلس

وعقب اعتماد القرار 2797، قدّم ناصر بوريطة قراءة للتحركات الدبلوماسية التي سبقت التصويت، وربط النتيجة بتحرك مباشر للملك محمد السادس خلال الأيام الخمسة أو الستة الأخيرة التي سبقت اعتماد القرار.

ووصف وزير الخارجية المغربي آنذاك تركيبة مجلس الأمن بأنها كانت من أكثر التركيبات تعقيداً بالنسبة إلى المغرب، في ظل وجود الجزائر إلى جانب أعضاء لم تكن مواقفهم محسومة لصالح الطرح المغربي.

وأوضح بوريطة أن الحسابات الأولية انطلقت من ستة أصوات مؤيدة، في حين كان اعتماد القرار يتطلب تسعة أصوات على الأقل وعدم استخدام حق النقض، قبل أن ترتفع الحصيلة أولاً إلى تسعة أصوات ثم إلى أحد عشر صوتاً.

وأشار إلى أن المتابعة الملكية والاتصالات المباشرة مع قادة عدد من الدول ساهمت، وفق روايته، في الوصول إلى هذه النتيجة، معتبراً أن الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا شكلت مرتكزاً أساسياً للانتقال إلى المرحلة الجديدة.

كما ربط بوريطة امتناع روسيا باعتبارات مرتبطة بالشراكة الاستراتيجية بين الرباط وموسكو وبالموقف المغربي من الحرب في أوكرانيا، مشيراً إلى أن المغرب لم يكن ليمضي في تعبئة الأصوات قبل معرفة طبيعة الموقف الروسي، بالنظر إلى قدرة موسكو على إسقاط القرار باستخدام حق النقض.

ومع بداية ولاية المجلس الجديد في يناير 2026، عبّر بوريطة عن تفاؤله بالتركيبة الجديدة، مستنداً إلى دخول البحرين وليبيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، التي وصفها بالدول الحليفة للمغرب.

وبذلك، يدخل ملف الصحراء المغربية مرحلة جديدة داخل مجلس الأمن، عنوانها الأساسي الحفاظ على مكاسب القرار 2797 والبناء عليها، في وقت ستظل فيه صياغة المشروع ومواقف الأعضاء الدائمين وغير الدائمين محددة لطبيعة القرار المرتقب.