أفرزت الانتخابات التشريعية التي جرت في المغرب يوم 23 شتنبر 2026 تركيبة جديدة لمجلس النواب، حملت معها أسماء قادمة من مجالات بعيدة عن المسار السياسي التقليدي، من الرياضة والفن إلى الصحافة وصناعة المحتوى والعمل المدني.
وبينما حافظت شخصيّات حزبية معروفة على حضورها داخل المؤسسة التشريعية، نجح عدد من الوافدين الجدد في الوصول إلى البرلمان عبر دوائر محلية ولوائح جهوية، مستفيدين من مسارات مهنية وشخصية مختلفة ومن حضور ميداني أو جماهيري سبق دخولهم إلى المعترك الانتخابي.
ومن بين أبرز هذه الأسماء:
مصطفى لخصم.. من ألقاب العالم إلى مقعد برلماني
انتقل مصطفى لخصم من حلبات الرياضات القتالية إلى المؤسسة التشريعية، بعدما تمكن من الفوز بالمقعد الأول في دائرة صفرو باسم حزب الحركة الديمقراطية الاجتماعية.
ولخصم، الذي راكم مسيرة رياضية توج خلالها بطلا للعالم 12 مرة في الكيك بوكسينغ والفول كونتاكت، خاض بعد اعتزاله الرياضة تجربة في العمل السياسي المحلي، انتهت بانتخابه سنة 2021 رئيسا لجماعة إيموزار كندر بإقليم صفرو. وتُظهر مصادر سابقة توثيق تتويجاته العالمية الـ12 في هذه الرياضات.
وخلال تجربته في تدبير الجماعة، برز اسمه في النقاش العمومي المحلي، سواء من خلال خلافاته مع بعض أعضاء المجلس والسلطات أو عبر مواقفه وتصريحاته بشأن تدبير الشأن المحلي والتحالفات السياسية.

وفي استحقاقات 23 شتنبر، ترشح لخصم وكيلا للائحة الحركة الديمقراطية الاجتماعية بدائرة صفرو، وتمكن من تصدر النتائج النهائية بـ19 ألفا و608 أصوات، متقدما على إدريس الشبشالي عن حزب الأصالة والمعاصرة، الذي حل ثانيا بـ10 آلاف و437 صوتا، ويوسف منضور عن التجمع الوطني للأحرار بـ8 آلاف و226 صوتا.
عبد العزيز باريك.. من فيديوهات الجبال إلى البرلمان
في إقليم ميدلت، جاءت إحدى التجارب اللافتة من الفضاء الرقمي، بعدما تمكن عبد العزيز باريك، المعروف على مواقع التواصل الاجتماعي باسم أسامة باريك، من الفوز بمقعد نيابي باسم حزب الوحدة والديمقراطية.
وباريك، المنحدر من قرية أسنتاث التابعة لجماعة بوزمو بإقليم ميدلت، بنى حضوره العام من خلال نشر محتويات تتناول أوضاع المناطق الجبلية، ولا سيما مشاكل العزلة وصعوبة التنقل والتعليم والخدمات الأساسية. وتشير المعطيات المنشورة عنه إلى أنه من مواليد سنة 1998 وحاصل على إجازة في الجغرافيا.
وخلال حملته الانتخابية، اعتمد المرشح الشاب بدرجة كبيرة على حضوره في مواقع التواصل وعلى شبكة من المتطوعين، في ظل محدودية الإمكانيات المالية لحزب الوحدة والديمقراطية، وفق ما نقلته مصادر إعلامية عن قيادة الحزب.

وتحوّلت تجربته بذلك من نقل قضايا المنطقة عبر الهاتف ومنصات التواصل إلى تمثيلها داخل المؤسسة التشريعية، في مسار يجمع بين الحضور الرقمي والعمل الميداني والمشاركة الانتخابية.
عاطف التجاني.. أصغر الوجوه الوافدة إلى البرلمان
على بعد مسار مختلف، تمكن عاطف التجاني، البالغ من العمر 23 سنة، من دخول مجلس النواب بعد فوزه بمقعد عن دائرة ورزازات باسم حزب الاستقلال.
التجاني، المنحدر من منطقة تازناخت بإقليم ورزازات والحاصل على دبلوم في تسيير المقاولات، ارتبط في وقت مبكر بالعمل المدني ومجال التعاونيات والصناعة التقليدية، قبل الانتقال إلى المنافسة الانتخابية.

وأظهرت النتائج المعلنة بدائرة ورزازات حصوله على 7 آلاف و430 صوتا، ليحل ثانيا خلف إيمان لماوي، بينما جاء رشيد القاضي في المركز الثالث، وهو ما منح الأسماء الثلاثة المقاعد البرلمانية المخصصة للدائرة.
ويضع هذا الفوز التجاني ضمن أصغر النواب الذين أفرزتهم انتخابات 2026، في تجربة يصفها باعتبارها مسؤولية تتطلب الاستماع والتعلم والاستفادة من خبرات من سبقوه داخل المؤسسة التشريعية.
فاطمة وشاي.. من الشاشة إلى قبّة البرلمان
ومن الوسط الفني، تمكنت الممثلة فاطمة وشاي من حجز مقعد في مجلس النواب عن اللائحة الجهوية لحزب العدالة والتنمية بجهة الدار البيضاء-سطات.
وشاي، التي بدأت مسيرتها الفنية عبر المسرح خلال ثمانينيات القرن الماضي، راكمت حضورا في التلفزيون والسينما، واشتهرت بأدوار مرتبطة بالشخصية المغربية، إلى جانب مواقف وتصريحات تناولت قضايا فنية واجتماعية مختلفة.

وكان حزب العدالة والتنمية قد أعلن في ماي 2026 تزكيتها وكيلة للائحته الجهوية بجهة الدار البيضاء-سطات.
وبعد الاقتراع، حصلت وشاي على 139 ألفا و708 أصوات، لتحتل المرتبة الثانية في الدائرة الجهوية خلف مليكة مزور، التي تصدرت النتائج بـ157 ألفا و495 صوتا.
وهكذا انتقلت الفنانة من المجال الفني إلى العمل البرلماني، في تجربة تضيف اسما جديدا من الوسط الثقافي والفني إلى تركيبة مجلس النواب.
سمير شوقي.. مسار بين البنوك والإعلام والبحث
أمّا في المجال الإعلامي، فتمكن الصحافي سمير شوقي من الفوز بمقعد عن الدائرة المحلية للحي الحسني في الدار البيضاء باسم حزب العدالة والتنمية.
وقبل دخوله غمار الانتخابات، أمضى شوقي نحو عقدين في القطاع البنكي، قبل أن ينتقل إلى الصحافة، حيث ساهم في تأسيس يومية «الأيام» سنة 2001، ثم «المساء» سنة 2006، قبل أن يؤسس سنة 2009 الجريدة الاقتصادية «ليزيكو» ويتولى إدارة نشرها.
كما أسّس سنة 2022 مركز «أوميغا» للأبحاث الاقتصادية والجيوسياسية، في إطار اهتمامه بالقضايا الاقتصادية والجيوسياسية والنقاش العمومي.

وعلى المستوى الانتخابي، أظهرت النتائج الأولية في دائرة الحي الحسني تصدر شوقي بـ8 آلاف و370 صوتا بعد فرز نحو 90 في المائة من الأصوات، متقدما على مرشحي الاستقلال والأصالة والمعاصرة.
ماذا تقول هذه الأسماء عن أنماط التمثيل الانتخابي؟
ولا تقتصر دلالة هذه النتائج على انتقال مجموعة من الأسماء الجديدة إلى البرلمان، إذ تفتح أيضا النقاش حول مصادر القوة الانتخابية للمرشح في ظل تنوع المسارات التي تقود إلى المؤسسة التشريعية.
ويرى جواد الشفدي، رئيس المرصد المغربي للمشاركة السياسية، أن قراءة نتائج انتخابات 2026 تبرز تداخل عدة أشكال من الرصيد الذي يمكن أن يستند إليه المرشح، من بينها الرصيد السياسي والتنظيمي الذي توفره الأحزاب، والرصيد الاجتماعي والمحلي المرتبط بشبكات العلاقات والثقة، فضلا عن الرصيد الرمزي والرقمي الذي تمنحه الشهرة والحضور في الفضاء العام.
وكان الشفدي قد أشار، في حديث إعلامي سابق خلال الحملة الانتخابية، إلى أن قوّة التّنظيم الحزبي لا تُقاس فقط بعدد المقرات، وإنما أيضا بمدى وجود تنظيم محلي مستمر وقدرته على التعبئة.
وفي قراءة أكثر حذرا، يشدّد هذا الطّرح على أن الحديث عن تحول بنيوي في السلوك الانتخابي يحتاج إلى مقارنات أوسع للبيانات ونسب المشاركة عبر استحقاقات متعددة، قبل استخلاص اتجاه مستقر.
لكن وصول رياضي سابق، وصانع محتوى، وفنانة، وصحافي، وشاب في الثالثة والعشرين من عمره إلى مجلس النواب، يقدم في حد ذاته صورة عن تنوع المسارات التي أفرزتها انتخابات 23 شتنبر، وعن انتقال بعض أشكال الحضور العام من مجالات مهنية ورقمية ومدنية إلى المجال المؤسساتي.








