عاد سيناريو المواجهة العسكرية بين إسبانيا والمغرب إلى دائرة النقاش في الصحافة الإسبانية، على خلفية التطورات الأخيرة المرتبطة بمدينة سبتة، غير أن النقاش هذه المرة يركز بصورة أكبر على التحديات التي قد تواجهها مدريد في حال اندلاع مواجهة عسكرية، ولا سيما ما يتعلق بالإمدادات والقدرة على تعزيز القوات الموجودة في المدينتين.

وفي تحليل نشرته صحيفة «لا راثون»، جرى التوقف عند عدد من نقاط الضعف التي قد تحد من قدرة الحاميات الإسبانية في سبتة ومليلية على خوض مواجهة طويلة بمفردها، مقابل استفادة المغرب من عامل القرب الجغرافي الذي يسمح له بتحريك قواته وإمدادها براً من داخل أراضيه.

وبحسب الصحيفة، تستطيع القوات الإسبانية الموجودة في المدينتين التعامل مع مواجهة محدودة والدفاع عن مواقعهما، إلا أن استمرار القتال لفترة طويلة سيجعل مسألة التعزيزات والإمدادات القادمة من شبه الجزيرة الإيبيرية عاملاً حاسماً.

وتبرز سبتة باعتبارها الأكثر حساسية من الناحية اللوجستية، إذ يبلغ عدد سكانها نحو 83 ألفاً و600 نسمة وتمتد على مساحة تقارب 20 كيلومتراً مربعاً، فيما تعتمد بشكل أساسي على خطوط الإمداد القادمة من الضفة الإسبانية الأخرى.

ورغم قرب المدينة من الجزيرة الخضراء، فإن عدم توفرها على مطار ذي مدرج ثابت يحد من خيارات النقل الجوي، بينما يقتصر مهبط المروحيات على نقل الأشخاص والجرحى وبعض المعدات العاجلة، دون أن يوفر بديلاً للنقل البحري المخصص للعتاد الثقيل أو لطائرات النقل الاستراتيجي.

وتنقل «لا راثون» عن جمعية الجنود والبحارة الإسبانية (ATME) تقديرها لعدد العسكريين المنتشرين في سبتة ومليلية بنحو 3 آلاف و145 عسكرياً، مع اعتبار الجمعية أن هذا العدد لا يلبي، وفق تقييمها، الاحتياجات القائمة، ودعوتها إلى تعزيز القوات الموجودة في المدينتين.

أما مليلية، فتتمتع بهامش أوسع من حيث خيارات النقل، بفضل وجود مطار وروابط بحرية منتظمة مع مالقة وألميرية وموتريل، غير أن ذلك لا يلغي التحديات المتعلقة بإمدادها بالوقود والعتاد الثقيل والمؤن، التي يظل الميناء أحد منافذها الرئيسية.

كما أن المسافة البحرية التي تفصل مليلية عن الأراضي الإسبانية أطول من المسافة التي تفصل سبتة عن الجزيرة الخضراء، وهو ما يضيف، بحسب التحليل الإسباني، تحدياً آخر إلى عملية تأمين خطوط الإمداد في حال اندلاع مواجهة ممتدة.

ولا تقتصر التحديات المحتملة على الجانب العسكري، إذ إن أي أزمة طويلة ستفرض على السلطات الإسبانية ضمان استمرار الخدمات الأساسية في المدينتين، بما فيها المستشفيات والكهرباء والمياه والاتصالات، إلى جانب تأمين المواد الأساسية والحفاظ على النظام العام.

وتوفر محطات تحلية المياه جزءاً مهماً من احتياجات المدينتين، غير أن استمرار تشغيلها يظل مرتبطاً بتوفر الطاقة والوقود وقطع الغيار، ما يجعل منظومة الخدمات المدنية نفسها مرتبطة باستمرارية سلاسل الإمداد.

وفي المقابل، ترى «لا راثون» أن العامل الجغرافي يمنح المغرب أفضلية ميدانية في محيط سبتة ومليلية، إذ يستطيع تحريك الأفراد والمعدات عبر شبكته البرية داخل التراب المغربي، بما يقلص المسافة الزمنية واللوجستية اللازمة لإسناد قواته.

ويرتبط هذا المعطى، وفق الصحيفة، بالتحديث الذي عرفته القدرات العسكرية المغربية خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك إدخال دبابات «أبرامز» ومروحيات «أباتشي»، إلى جانب مقاتلات «F-16» وتطوير قدرات الطائرات المسيرة والدفاع الجوي.

وفي ما يتعلق بالقوة الجوية المغربية، وافقت الولايات المتحدة في 2019 على صفقة محتملة لبيع المغرب 25 مقاتلة F-16C/D Block 72، وفق وثائق وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأمريكية. ولا يعني اعتماد الصفقة في حينه أن جميع الطائرات دخلت الخدمة فوراً، إذ تمر عمليات التسليم والتنفيذ بمراحل فنية ولوجستية متعددة.

وفي المقابل، تشير الصحيفة إلى أن اتساع نطاق أي مواجهة خارج محيط سبتة ومليلية يمكن أن يعيد ترتيب عناصر القوة، إذ ستستفيد إسبانيا من قدراتها الجوية والبحرية، بما في ذلك مقاتلاتها وسفنها الحربية وغواصاتها وسفن الإنزال، فضلاً عن إمكاناتها اللوجستية.

وتستند هذه الأفضلية المحتملة أيضاً إلى قدرات إسبانيا ضمن حلف شمال الأطلسي، في وقت شاركت فيه وحدات إسبانية خلال العام الجاري في أنشطة وعمليات عسكرية متعددة، بما يعكس حجم الإمكانات التي يمكن لمدريد تعبئتها في حال اتساع نطاق أي أزمة.

وعلى مستوى الإنفاق الدفاعي، تظهر بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) أن إسبانيا أنفقت نحو 40.2 مليار دولار على الدفاع خلال 2025، مقابل نحو 6.3 مليارات دولار للمغرب. وتؤكد بيانات المعهد أن الإنفاق العسكري الإسباني ارتفع بنسبة 50 في المائة خلال العام نفسه.

غير أن ارتفاع الإنفاق لا يعني بالضرورة وجود قوات أو معدات بهذا الحجم بالقرب من سبتة ومليلية، وهو ما يشكل أحد الفوارق التي تركز عليها المقارنة بين القدرات الإجمالية للدولتين وبين ما يمكن تعبئته ميدانياً في منطقة محدودة جغرافياً.

ويمتد النقاش أيضاً إلى الجزر والصخور الخاضعة للإدارة الإسبانية قبالة السواحل المغربية، ومنها الجزر الجعفرية وصخرة الحسيمة وصخرة بادس، التي تعتمد على خطوط إمداد خارجية وتضم حاميات محدودة، ما يثير تساؤلات بشأن قدرتها على الاستمرار في حال تعرضت لعزل طويل.

وتبقى جزيرة ليلى حاضرة في خلفية هذا النقاش، بالنظر إلى الأزمة التي اندلعت بين المغرب وإسبانيا سنة 2002، وانتهت باتفاق البلدين على إعادة الوضع في الجزيرة إلى ما كان عليه قبل الأزمة وإبقائها خالية، من دون حسم مسألة السيادة.

سؤال التحالفات

إلى جانب القدرات العسكرية واللوجستية، يبرز عامل آخر يتمثل في طبيعة الدعم الذي يمكن أن تحصل عليه إسبانيا من حلفائها في حال اندلاع مواجهة.

وفي هذا السياق، يستمر النقاش الإسباني حول مدى انطباق الضمانات الجماعية لحلف شمال الأطلسي على سبتة ومليلية. وتنص المادة السادسة من معاهدة واشنطن على نطاق جغرافي محدد لتطبيق المادة الخامسة، بينما أكد الأمين العام السابق للناتو أن قرار تفعيل المادة الخامسة يظل في نهاية المطاف قراراً سياسياً يتخذه الحلفاء.

وبالموازاة مع ذلك، توفر المادة 42.7 من معاهدة الاتحاد الأوروبي أساساً للمساعدة المتبادلة في حال تعرض دولة عضو لعدوان مسلح، إذ تلزم الدول الأعضاء بتقديم المساعدة إلى الدولة المعتدى عليها، مع ترك طبيعة هذه المساعدة ووسائلها وفقاً للظروف والقدرات والالتزامات القائمة.

ويضيف التقرير الإسباني إلى هذه الحسابات بعداً سياسياً مرتبطاً بالموقف الأمريكي، مشيراً إلى تقرير صادر عن لجنة الاعتمادات في مجلس النواب الأمريكي استخدم صياغة تتحدث عن سبتة ومليلية باعتبارهما مدينتين تديرهما إسبانيا وتقعان على الأراضي المغربية.

غير أن هذه الصياغة، كما يبرز التقرير، لا تمثل في حد ذاتها تغييراً معلناً في الموقف الرسمي للإدارة الأمريكية بشأن وضع المدينتين، وهو ما يجعل استخدامها دليلاً على تحول في السياسة الأمريكية أمراً يحتاج إلى قدر أكبر من الحذر.

وهكذا، فإن النقاش الذي أعادته الصحافة الإسبانية إلى الواجهة لا يقتصر على مقارنة حجم الترسانة العسكرية المغربية والإسبانية، بل يتناول أيضاً عامل الجغرافيا، واستدامة خطوط الإمداد، وحجم القوات الموجودة فعلياً في سبتة ومليلية، فضلاً عن طبيعة الدعم الذي يمكن أن تحصل عليه مدريد من حلفائها في حال تطور أي أزمة إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.