لم تعد منصات التواصل الاجتماعي، منذ اندلاع أحداث سبتة ومليلية المحتلتين، مجرد فضاء لمتابعة تطورات الهجرة غير النظامية، بعدما أظهرت عمليات الرصد أن مجموعات وحسابات رقمية باتت تضطلع بأدوار مباشرة في استقطاب الراغبين في العبور وتوجيههم نحو المناطق الحدودية، إلى جانب تداول معلومات مرتبطة بمواعيد التحرك ونقاط التجمع. وفي خضم هذه المعطيات، برز الحضور الجزائري كأحد العناصر اللافتة، سواء من خلال بعض الحسابات أو أرقام الهواتف المستخدمة في مجموعات التنسيق.

ويأتي معطى جديد ليعزز هذه المؤشرات، بعدما أظهرت عملية تتبع نشاط عدد من الصفحات التي شاركت، أواخر يوليوز، في نشر دعوات للهجرة نحو سبتة، قبل أن تعود إلى الترويج لمحاولة 15 غشت، أنها انتقلت في اليوم نفسه إلى الاحتفال بفوز المنتخب الجزائري النسوي على نظيره المغربي في مباراة تحديد المركز الثالث ضمن كأس أمم إفريقيا للسيدات 2026.

وأقيمت المباراة يوم 15 غشت بالرباط، وانتهت بالتعادل بهدف لمثله، قبل أن تحسم الجزائر المواجهة بثلاثة أهداف مقابل هدفين عبر ركلات الترجيح. وهو التاريخ ذاته الذي سبق أن حددته شبكات رقمية موعدا لمحاولة عبور جماعية جديدة باتجاه سبتة المحتلة.

ويكشف هذا التزامن بين الدعوة إلى الهجرة والاحتفاء بالنتيجة الجزائرية عن جانب آخر من طبيعة بعض المنصات المعنية، إذ إن الصفحات التي خاطبت الشباب المغربي ودفعته إلى التوجه نحو منطقة حدودية شديدة الحساسية، ظهرت في مناسبة أخرى وهي تتبنى موقفا منحازا للجزائر في مواجهة المغرب.

ويأتي هذا المعطى ضمن سلسلة من المؤشرات التي بدأت في الظهور منذ نهاية يوليوز، بعدما كشف تقرير استخباراتي مفتوح المصادر، يتكون من نحو 70 صفحة، أعده المحلل الإسباني المتخصص في الأمن والاستخبارات والإرهاب الدولي خوسيه ماريا خيل غاري، المعروف بـ Chema Gil، بطلب من عدد من المؤسسات الإسبانية، تفاصيل حول الشبكة الرقمية التي سبقت محاولات العبور.

واعتمد التقرير في عملية الرصد على تقنيات استخبارات المصادر المفتوحة OSINT واستخبارات شبكات التواصل الاجتماعي SOCMINT، متتبعا النشاط الرقمي خلال الفترة الممتدة من يونيو إلى بداية غشت. وأظهر انتقال الحملة، بشكل تدريجي، من تداول رسائل عامة مرتبطة بالهجرة إلى مشاركة معلومات عملية تتعلق بمواعيد التحرك، وطرق الوصول، ونقاط التجمع ووسائل النقل.

كما رصد التقرير نشاط حسابات ومجموعات من دول متعددة، مع تسجيل بروز عقدة جزائرية ضمن الجانب الأكثر ارتباطا بالتنسيق الميداني. ومن أبرز المعطيات التي أوردها وجود مجموعة على تطبيق واتساب تجاوز عدد أعضائها ألفي شخص، وكانت تدار بواسطة رقم يحمل المفتاح الدولي الجزائري +213.

وتضمنت الرسائل المتداولة داخل المجموعة توجيهات بشأن التوجه إلى الفنيدق، وتوقيت التحركات، وتقسيم المشاركين إلى مجموعات صغيرة، إضافة إلى الاستعداد لمحاولة العبور. كما جرى رصد مجموعة أخرى كان يديرها رقم جزائري، قبل أن يتحول جزء من نشاطها لاحقا نحو مليلية، عقب تشديد المراقبة في محيط سبتة.

ووصف التقرير ما سماه «الفاعل الجزائري» بأنه أحد أبرز العناصر التي كشفت عنها عملية الرصد، بعدما أظهرت المعطيات، خلافا للحسابات التي اكتفت بتضخيم المحتوى، مؤشرات على اضطلاعه بدور عملي ضمن منظومة التعبئة الرقمية.

وتتقاطع هذه النتائج مع الخلاصات الأولية التي قدمها المجلس الوطني لحقوق الإنسان بشأن أحداث سبتة ومليلية، والتي وثقت بدورها دور الفضاء الرقمي والحسابات الموجودة خارج المغرب في نشر الأخبار المضللة والمضامين المشجعة على العبور.

ولم تتوقف الحملة الرقمية عند أحداث أواخر يوليوز، إذ عادت خلال النصف الأول من غشت دعوات جديدة للتداول بشأن موعد 15 غشت. وقد تعامل المركز الوطني للاستخبارات الإسباني CNI هذه المرة مع الدعوة بجدية كبيرة، إذ نقلت Cadena SER عن مصادر استخباراتية أن المركز منحها «مصداقية كاملة»، واعتبر أن الحملة كانت أكثر كثافة من تلك التي سبقت أحداث نهاية يوليوز، خصوصا عبر فيسبوك وواتساب وتيك توك.

وفي المقابل، جاء التحرك المغربي بشكل استباقي من خلال انتشار أمني واسع في الفنيدق وضواحيها، وتشديد مراقبة محاور الوصول إلى المنطقة. وأسفرت هذه الإجراءات يوم 15 غشت عن إحباط محاولات العبور وتوقيف 294 مرشحا للهجرة غير النظامية، بينهم 248 من دول إفريقيا جنوب الصحراء و46 مغربيا.

وفي ضوء هذه المعطيات، يكتسب احتفاء الصفحات نفسها بفوز المنتخب الجزائري أهمية ضمن الصورة التي رسمتها عمليات الرصد خلال الأسابيع الماضية. فوجود أرقام جزائرية في مجموعات التنسيق، وبروز ما وصفه التقرير الإسباني بـ«الفاعل الجزائري»، إلى جانب طبيعة الخطاب الذي تبنته بعض الصفحات الموجه إلى المغاربة، كلها مؤشرات ترسم ملامح الحضور الجزائري داخل جزء من هذه الحملات الرقمية.

وتكشف أحداث سبتة ومليلية، في هذا السياق، عن امتداد مواز للتحركات الميدانية على مستوى الفضاء الرقمي، حيث أصبحت الحسابات ومنصات المراسلة أدوات للتعبئة والتوجيه وتحديد المواعيد وتبادل المعلومات. وفي مثل هذه العمليات، يمكن للجهات المحرضة أن تتحرك دون الظهور بشكل مباشر، عبر مخاطبة الفئة المستهدفة وتوجيه مشاعرها أو اندفاعها في توقيت محدد.

ومن ثمّ، بات تتبع هذه الشبكات ومصادر إدارتها جزءا أساسيا من فهم ما جرى خلال الأسابيع الماضية، خصوصا في ظل المؤشرات التي تكشف عن توظيف الهجرة غير النظامية ضمن أنشطة رقمية عابرة للحدود تستهدف التأثير في الوضع المرتبط بالمغرب.