لم تكشف التطورات الأخيرة المرتبطة بمحاولات الهجرة غير النظامية نحو سبتة المحتلة عن أزمة حدودية ذات أبعاد أمنية وإنسانية فحسب، بل أعادت أيضا إلى الواجهة واحدا من أكثر الملفات حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية.
وبينما انشغلت السلطات بتدبير محاولات العبور الجماعي وما يرتبط بها من اعتبارات أمنية وإنسانية، حافظ الخطاب الرسمي المغربي على مسافة واضحة بين معالجة أزمة الهجرة وبين الموقف التاريخي من سبتة ومليلية. فالتعامل مع الواقع الحدودي لم يتحول إلى ورقة للمواجهة السياسية، كما أن التعاون مع مدريد لم يفض، في المقابل، إلى تراجع حضور القضية السيادية في الخطاب المغربي.
هذه المعادلة تبدو أساسية لفهم طبيعة المقاربة التي اعتمدتها الرباط: إدارة حازمة للحدود، مقابل خطاب سياسي هادئ، وتمسك ثابت بالموقف من المدينتين المحتلتين.
أزمة الهجرة لا تعني إعادة رسم الموقف من سبتة
تعامل المغرب مع محاولات الهجرة غير النظامية باعتبارها قضية ترتبط بحماية الحدود، وتفادي المخاطر الأمنية والإنسانية، ومواجهة استغلال شبكات الاتجار بالبشر لأوضاع المرشحين للهجرة.
لكن هذا التدبير الميداني لم يترافق مع أي تغيير في التصور المغربي بشأن سبتة ومليلية. وهو ما برز بشكل واضح في تصريح وزير العدل عبد اللطيف وهبي، الذي أكد أن المغرب يعتبر المدينتين أراضي مغربية، وله فيهما حق تاريخي وجغرافي، مع التشديد على أن الحوار يظل السبيل لمعالجة هذا الملف.
وهنا تتضح خصوصية الموقف المغربي: التشدد في حماية الحدود لا يوازيه تشدد مماثل في الخطاب الدبلوماسي، كما أن الهدوء السياسي لا يعني التخلي عن الموقف السيادي.
فالرباط لا تبدو راغبة في تحويل أزمة الهجرة إلى مواجهة مع مدريد، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح بأن يؤدي التعاون الأمني والاقتصادي إلى إخراج قضية سبتة ومليلية من حساباتها.
أحمد التوفيق يعيد سبتة إلى واجهة الذاكرة المغربية
في خضم هذا السياق، اكتسبت كلمة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، مساء الاثنين 24 غشت 2026، أهمية خاصة، بعدما تطرق إلى سبتة خلال الحفل الديني الذي أقيم بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف، بحضور الملك محمد السادس.
فالإشارة إلى المدينة لم تأت هذه المرة من بوابة الأمن أو الدبلوماسية المباشرة، وإنما من مدخل التاريخ العلمي والديني والروحي.
واستحضر التوفيق عددا من أعلام سبتة، من بينهم القاضي عياض، صاحب كتاب “الشفا بتعريف حقوق المصطفى”، وأبو العباس العزفي، صاحب “الدر المنظم في مولد النبي المعظم”.
كما توقف عند الإمام الجزولي وكتاب “دلائل الخيرات”، الذي وصفه بأنه كان شعارا للمغاربة في تعبئتهم لتحرير المدن المحتلة على المحيط الأطلسي في بداية العصر الحديث.
هذه الإحالة إلى سبتة من داخل الذاكرة العلمية والدينية تمنح الخطاب دلالة مختلفة عن الخطاب السياسي المباشر. فالمدينة لا تظهر هنا باعتبارها نقطة حدودية تشهد أزمة هجرة، وإنما باعتبارها جزءا من تاريخ مغربي أوسع.
من الحقوق التاريخية إلى الذاكرة الحضارية
إذا كان تصريح وزير العدل قد وضع قضية سبتة ومليلية في إطار الحقوق التاريخية والجغرافية، فإن كلمة أحمد التوفيق قدمتها من زاوية أخرى، عنوانها الذاكرة.
وهذا الانتقال بين مستويين من الخطاب يستحق الانتباه. فبدلا من رفع حدة اللهجة أو تحويل المناسبة الدينية إلى ساحة مواجهة مع إسبانيا، جرى استحضار علماء ارتبطوا بمدينة سبتة، ثم استحضار مرحلة تاريخية ارتبطت فيها تعبئة المغاربة بتحرير المدن المحتلة.
بهذه الطريقة، يُعاد إدراج سبتة داخل السردية التاريخية المغربية من دون تحويلها إلى شعار ظرفي مرتبط بأزمة الهجرة الحالية.
والفارق هنا مهم: فالموقف لا يقدم باعتباره ردة فعل على أحداث الحدود، وإنما باعتباره امتدادا لذاكرة تاريخية سابقة على الأزمة الراهنة.
“دلائل الخيرات”.. إشارة تتجاوز البعد الديني
يحظى استحضار “دلائل الخيرات” بأهمية خاصة في هذا السياق، إذ لم يرد الكتاب باعتباره جزءا من التراث الديني فقط، وإنما جرى ربطه، في العرض الذي قدمه الوزير، بذاكرة التعبئة المغربية ضد المدن الواقعة تحت الاحتلال الإيبيري.
وهذا الربط بين التراث الديني والذاكرة التاريخية يضيف إلى الإشارة بعدا سياسيا غير مباشر، من دون أن يحول الخطاب إلى خطاب تعبوي معاصر.
كما أن هذه الإحالة لا تبدو معزولة عن خطاب مؤسساتي سابق؛ إذ سبق للملك محمد السادس، في رسالته إلى المجلس العلمي الأعلى خلال شتنبر 2025 بمناسبة إحياء الذكرى الخامسة عشرة لميلاد خير الأنام، أن استحضر المكانة التي احتلها “دلائل الخيرات” في الذاكرة المغربية، باعتباره شعارا ارتبط بتعبئة المغاربة من أجل تحرير الأراضي المحتلة.
ومن ثم، يمكن قراءة ما ورد في كلمة وزير الأوقاف باعتباره جزءا من سياق أوسع لاستحضار الذاكرة الدينية والتاريخية المغربية، وليس مجرد إشارة عابرة إلى مدينة سبتة.
خطاب مزدوج: تثبيت للداخل ورسالة هادئة إلى الخارج
يمكن فهم هذا المسار الخطابي من خلال مستويين.
الأول داخلي، حيث يجري التأكيد على أن سبتة ليست مجرد معبر حدودي أو فضاء تتكرر فيه أزمات الهجرة، وإنما مدينة لها موقع في التاريخ العلمي والديني المغربي.
أما المستوى الثاني فيتصل بالخارج، ولا سيما بإسبانيا. وهنا لا تبدو الرسالة المغربية قائمة على التصعيد، بقدر ما تقوم على التذكير بثبات الموقف.
فأزمة الهجرة لم تُقدَّم باعتبارها مبررا جديدا للمطالبة بسبتة، كما لم يُطرح المهاجرون باعتبارهم أداة للتفاوض حول ملف السيادة. وفي الوقت ذاته، لم تؤد ضرورات التعاون مع إسبانيا في ملف الهجرة إلى إسقاط القضية من الخطاب المغربي.
بعبارة أخرى، التعاون لا يعني التنازل، والحوار لا يعني التخلي عن المطالب، والهدوء لا يعني غياب الموقف.
لماذا لا تعني هذه الإشارات بالضرورة تصعيدا مع مدريد؟
قد يبدو من السهل ربط أي حديث مغربي عن سبتة ومليلية باحتمال تصعيد دبلوماسي مع إسبانيا، خصوصا في أعقاب أزمة الهجرة الأخيرة.
لكن طبيعة الخطاب المغربي، كما تظهر في المعطيات الواردة، لا تسير في هذا الاتجاه بالضرورة.
فالرباط تجمع بين تأكيد الحقوق التاريخية والجغرافية وبين الإبقاء على خيار الحوار. وحتى الموقف الإسباني الرافض لإدراج مسألة السيادة على سبتة ومليلية ضمن أي نقاش مع المغرب لم يدفع، وفق المعطيات المتوفرة، الخطاب المغربي نحو القطيعة أو المواجهة المفتوحة.
وهذا يعكس مقاربة تقوم على النفس الطويل في الملفات السيادية، مع تجنب تحويل كل خلاف إلى أزمة دبلوماسية شاملة.
الهجرة أعادت سبتة إلى الواجهة من دون تغيير المعادلة
أعادت أحداث الهجرة غير النظامية المدينة إلى صدارة النقاش الإعلامي والسياسي، لكنها في الوقت نفسه أظهرت تداخل ملفات مختلفة لا تبدو الرباط راغبة في دمجها في ملف واحد.
فالهجرة غير النظامية لها أدواتها الأمنية والإنسانية والاجتماعية، بينما تحكم العلاقات المغربية الإسبانية اعتبارات دبلوماسية واقتصادية وأمنية. أما قضية سبتة ومليلية فتتصل، في التصور المغربي، بامتداد تاريخي وسيادي مختلف.
وتبدو الفكرة المركزية في هذا التعامل هي عدم السماح للأزمة الحدودية بإعادة تعريف بقية الملفات.
فالمغرب يتعامل مع المهاجرين ومحاولات العبور باعتبارها أزمة تحتاج إلى تدبير، لكنه لا يحولها إلى أداة لإدارة ملف السيادة، كما أنه لا يجعل ضرورات التعاون مع مدريد سببا لإسقاط هذا الملف من حساباته.
سياسة تراكم لا رد فعل
ربما تكمن دلالة التطورات الأخيرة في تسلسلها أكثر مما تكمن في كل واقعة منفردة.
فقد برز تصريح سياسي مباشر بشأن الحقوق التاريخية والجغرافية للمغرب، أعقبه موقف إسباني يؤكد رؤية مدريد، ثم عادت سبتة إلى الخطاب الرسمي من بوابة تاريخها العلمي والديني عبر كلمة وزير الأوقاف.
هذا التتابع لا ينتج بالضرورة خطابا تصعيديا، بل يعكس سياسة تقوم على تراكم الإشارات والتذكير المستمر بالثوابت، مع الإبقاء على باب الحوار قائما.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو الرباط بصدد إطلاق مواجهة جديدة حول سبتة، بقدر ما تبدو حريصة على إبقاء القضية حاضرة وعدم السماح بتحول الاعتياد السياسي إلى نسيان للملف.
هدوء في التدبير وثبات في الموقف
تكشف التطورات المرتبطة بسبتة عن مقاربة مغربية تقوم على الجمع بين مستويين قد يبدوان متناقضين للوهلة الأولى: التعامل العملي والهادئ مع أزمة الهجرة، والتمسك بالموقف التاريخي والسيادي من المدينتين المحتلتين.
وفي الوقت الذي تتحرك فيه المؤسسات المغربية في مواجهة الهجرة غير النظامية وفق اعتبارات أمنية وإنسانية، يستمر الخطاب السياسي في التأكيد على الحقوق التاريخية والجغرافية للمغرب.
ثم يأتي الخطاب الديني الرسمي ليضيف بعدا آخر إلى القضية، عبر استحضار علماء سبتة وتراثها العلمي والروحي، وربط ذلك بذاكرة تاريخية ارتبطت بتعبئة المغاربة لتحرير المدن المحتلة.
لذلك، فإن أهمية كلمة أحمد التوفيق لا تكمن فقط في ذكر سبتة، وإنما في السياق الذي استُحضرت فيه المدينة والطريقة التي أُعيد بها إدراجها داخل الذاكرة المغربية.
إنها مقاربة لا تقوم على التهديد أو الخطاب الانفعالي، وإنما على التراكم والنفس الطويل. وفي هذه المعادلة، يمكن للرباط أن تدير الحدود بهدوء، وتحافظ على الحوار مع مدريد، وتواصل التعاون في ملفات مشتركة، من دون أن يعني ذلك إسقاط موقفها التاريخي من سبتة ومليلية.








