لم يعد تدبير الموارد المائية في المغرب مجرّد ملف تقني مرتبط بالبنية التحتية، بل أصبح أحد أبرز التحديات الاستراتيجية التي ترتبط بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والأمن الغذائي، والاستقرار المجالي. فقد فرضت سنوات الجفاف المتتالية وتراجع الموارد المائية التقليدية على المملكة تسريع الانتقال نحو نموذج جديد يقوم على تنويع مصادر المياه، وتعزيز الحكامة، والاستثمار في حلول غير تقليدية.
وفي هذا السّياق، أكّد الخطاب الملكي بمناسبة عيد العرش لسنة 2025 على أهمية اعتماد تدبير استباقي ومستدام للموارد المائية، في ظل تصاعد حدة الإجهاد المائي وتأثيرات التغير المناخي، داعياً إلى مواصلة الجهود الرامية إلى ضمان الأمن المائي وتحقيق العدالة المجالية في الولوج إلى الموارد الأساسية.
الجفاف يفرض إعادة صياغة السّياسة المائية
يواجه المغرب خلال السنوات الأخيرة وضعاً مائياً معقداً بسبب تراجع التساقطات وارتفاع درجات الحرارة وتزايد الطلب على المياه. وتؤكد تقارير دولية أن منطقة البحر الأبيض المتوسط، التي ينتمي إليها المغرب، تعد من أكثر المناطق تأثراً بتداعيات التغير المناخي، وهو ما يزيد من الضغط على الموارد السطحية والجوفية.
وتبرز الزراعة باعتبارها أحد أكثر القطاعات استهلاكاً للمياه، الأمر الذي يجعل تحقيق التوازن بين متطلبات الإنتاج الفلاحي والحفاظ على الموارد المائية تحدياً رئيسياً أمام السياسات العمومية. وتشير تحليلات دولية إلى أن مواجهة ندرة المياه تتطلب، إلى جانب تطوير العرض، تحسين تدبير الطلب واعتماد استخدام أكثر كفاءة للموارد.
البرنامج الوطني للماء.. استثمارات لتأمين الموارد
اِعتمد المغرب البرنامج الوطني للتزويد بالماء الصالح للشرب ومياه السقي 2020-2027 باعتباره إطاراً استراتيجياً لمواجهة تحديات الماء. ويشمل البرنامج مجموعة من المحاور، من بينها تعزيز العرض المائي عبر بناء السدود، وتدبير الطلب، وتثمين استعمال المياه في القطاع الفلاحي، وتقوية التزويد بالماء الصالح للشرب، إضافة إلى إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة.
ويبلغ حجم الاستثمارات المبرمجة في هذا البرنامج حوالي 115.4 مليار درهم، بهدف تنويع مصادر المياه، وتعزيز القدرة على مواجهة آثار التغيرات المناخية، وتحقيق الأمن المائي للمملكة.
تحلية مياه البحر.. رهان استراتيجي لتقليص الضّغط على الموارد التّقليدية
أصبحت تحلية مياه البحر أحد أبرز الخيارات التي يعتمد عليها المغرب لتوسيع قاعدة موارده المائية. فقد انتقلت المملكة من الاعتماد شبه الكامل على المياه التقليدية إلى إدماج موارد غير اعتيادية ضمن منظومة الأمن المائي.
وتدعم المؤسسات الدولية هذا التوجه، معتبرة أن تنويع مصادر المياه، بما في ذلك التحلية وإعادة استعمال المياه المعالجة، يمثل عنصراً أساسياً لتعزيز قدرة المغرب على مواجهة التقلبات المناخية. كما أشار البنك الدولي إلى أهمية تطوير أطر الشراكة والاستثمار لإنجاح مشاريع التحلية الكبرى.
وتندرج ضمن هذا المسار مشاريع كبرى لتحلية مياه البحر، من بينها محطة الدار البيضاء، إلى جانب مشاريع أخرى تهدف إلى رفع القدرة الإنتاجية الوطنية من المياه المحلاة خلال السنوات المقبلة. وتشير معطيات حديثة إلى أن المغرب يتجه إلى توسيع الاعتماد على المياه المحلاة لتأمين جزء مهم من حاجياته من الماء الصالح للشرب.
هل تشكّل التّحلية الحل النّهائي لأزمة الماء؟
رغم أهمية تحلية مياه البحر، فإنها لا تمثل حلاً وحيداً لأزمة الماء، بل جزءاً من منظومة متكاملة. فهذه التقنية تحتاج إلى استثمارات مالية كبيرة، كما ترتبط بتحديات بيئية وتقنية، من بينها استهلاك الطاقة وتدبير مخلفات عملية التحلية.
ولهذا، يرى خبراء أن نجاح الاستراتيجية المائية المغربية يتطلب الجمع بين عدة مسارات: تطوير السدود، وتحسين شبكات توزيع المياه، وتقليص التسربات، وتوسيع استعمال المياه العادمة المعالجة، واعتماد تقنيات الري الحديثة، إضافة إلى ترشيد الاستهلاك.
الفلاحة.. محور أساسي في معادلة الأمن المائي
يبقى القطاع الفلاحي في قلب النقاش حول مستقبل الماء بالمغرب، بالنظر إلى حاجته الكبيرة إلى الموارد المائية. لذلك أصبح الانتقال نحو فلاحة أكثر اقتصاداً في استعمال المياه ضرورة استراتيجية، عبر توسيع تقنيات الري بالتنقيط، وتحسين مردودية استعمال المياه، وربط الاختيارات الزراعية بالإمكانات المائية المتاحة.
ولا يتعلّق الأمر فقط بزيادة الموارد، بل أيضاً بإعادة التفكير في كيفية توزيعها واستعمالها، بما يضمن التوازن بين الحفاظ على الأمن الغذائي وحماية الثروة المائية للأجيال المقبلة.
الحكامة المائية.. التّحدّي الذي يوازي تحدّي البنيات التّحتية
إنّ بناء محطات التحلية والسدود لا يكفي وحده لضمان الأمن المائي، إذ يبقى عنصر الحكامة عاملاً حاسماً في نجاح أي استراتيجية. ويشمل ذلك تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، ومراقبة الاستعمالات غير المستدامة للمياه، وحماية الفرشات المائية، ونشر ثقافة الاقتصاد في الماء.
كما أنّ التكيّف مع التغيرات المناخية يفرض تطوير مقاربات جديدة تقوم على التخطيط الاستباقي بدل الاكتفاء بتدبير الأزمات عند وقوعها.
المغرب أمام مرحلة جديدة في تدبير الماء
يكشف المسار الذي اختاره المغرب أن قضية الماء أصبحت جزءاً من رؤية تنموية شاملة، تجمع بين الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير الموارد غير التقليدية، وتحسين الحكامة. غير أن الرهان الحقيقي خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط في إنجاز المشاريع، بل في ضمان نجاعتها واستدامتها وقدرتها على الاستجابة لحاجيات المواطنين والقطاعات الاقتصادية.
إن معركة الماء في المغرب هي في جوهرها معركة توازن بين متطلبات التنمية وحدود الموارد الطبيعية، وبينما تمنح المشاريع الكبرى هامشاً أكبر للأمان المائي، فإن حسن التدبير وترشيد الاستعمال سيظلان العاملين الحاسمين في بناء مستقبل مائي أكثر استقراراً.




