دخلت العلاقات المغربية الكولومبية مرحلة جديدة، بعدما أعلنت بوغوتا اعترافها بسيادة المملكة المغربية على الصحراء، في تحول يضع حداً للموقف الذي تبنته حكومة الرئيس السابق غوستافو بيترو، ويفتح الباب أمام تقارب سياسي ودبلوماسي أكبر بين البلدين.

وجاء الإعلان عقب اللقاء الذي جمع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، بنائب الرئيس الكولومبي خوسيه مانويل ريستريبو، بحضور وزير العلاقات الخارجية عمر بولا إسكوبار، وذلك في أعقاب تنصيب الرئيس أبيلاردو دي لا إسبرييّا يوم الجمعة. ويكتسي التطور أهمية تتجاوز الإطار الثنائي، بالنظر إلى موقع كولومبيا داخل أمريكا الجنوبية ومسار مواقفها السابقة من قضية الصحراء.

وبحسب المعطيات المرتبطة بالإعلان، أكد وزير العلاقات الخارجية الكولومبي عمر بولا إسكوبار أن بلاده «تعترف بسيادة المغرب على صحرائه»، في خطوة تتضمن، وفق المعطيات الواردة في التقرير، سحب الاعتراف بالكيان الانفصالي. من جهته، وصف نائب الرئيس خوسيه مانويل ريستريبو القرار بأنه يمثل «بداية جديدة» للعلاقات بين بوغوتا والرباط، مؤكداً أن المغرب يشكل «حليف كولومبيا الرئيسي في إفريقيا»، ومعبراً عن رغبة بلاده في الارتقاء بالتعاون إلى مستوى شراكة استراتيجية.

أمّا المغرب، فقد اعتبر ناصر بوريطة الخطوة «تاريخية»، وربطها بإمكان منح العلاقات الثنائية دفعة جديدة، ليس على المستوى السياسي فحسب، وإنما أيضاً في المجالات الاقتصادية والجيوسياسية. وأشار إلى إمكانية تحول البلدين إلى منصتين اقتصاديتين متبادلتين، مستفيدين من الموقع الاستراتيجي للمغرب في إفريقيا وكولومبيا في أمريكا اللاتينية.

تحوّل يعيد ترتيب إرث دامَ لعقود

تكمن أهمية الموقف الكولومبي الجديد أيضاً في خلفيته التاريخية. فقد اعترفت بوغوتا بما يسمى «الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية» سنة 1985، قبل أن تجمد هذا الاعتراف في عهد الرئيس أندريس باسترانا سنة 2001.

وبعد أكثر من عشرين عاماً، عادت القضية إلى واجهة السياسة الخارجية الكولومبية مع حكومة غوستافو بيترو، التي أعادت إحياء الموقف السابق في غشت 2022، بالتزامن مع انتقال البلاد إلى قيادة يسارية وتوجه خارجي أكثر قرباً من مواقف عدد من الحكومات اللاتينية التي تبنت خطاباً داعماً لقضايا التحرر وتقرير المصير.

وبذلك، يأتي التحول الحالي ليضع حداً لدورة من التقلبات في الموقف الكولومبي، ويعكس في الوقت نفسه انتقال السياسة الخارجية في بوغوتا إلى مرحلة جديدة مع وصول حكومة ذات توجه سياسي مختلف جذرياً عن حكومة بيترو.

من «الموجة الورديّة» إلى إعادة ترتيب التّحالفات

لم يكن موقف بيترو منفصلاً عن السّياق السياسي الذي عرفته أمريكا اللاتينية خلال العقدين الماضيين، حين شهدت المنطقة صعود ما عُرف بـ«الموجة الوردية»، التي أوصلت عدداً من الحكومات اليسارية إلى السلطة، ودفعت بالعديد منها إلى تبني مواقف خارجية أقرب إلى خطاب الجنوب العالمي وقضايا التحرر الوطني ومناهضة النفوذ الغربي.

وفي هذا السّياق، وجد الكيان الوهمي للبوليساريو مجالاً سياسياً للتحرك داخل عدد من دول القارّة، مستفيدًا من علاقات تاريخية تعود إلى مرحلة الحرب الباردة ومن الدّعم الذي وفرته له حكومات وأحزاب ذات توجّهات يسارية.

غير أنّ المشهد الإقليمي عرف خلال السنوات الأخيرة تحولات سياسية متتالية، مع تراجع نفوذ بعض التيارات اليسارية وصعود قوى محافظة ويمينية، إلى جانب تنامي حضور الحسابات المرتبطة بالمصالح الاقتصادية والأمنية والعلاقات مع الولايات المتحدة في صياغة السياسات الخارجية.

ولا يعني ذلك، بالضّرورة، أنّ العامل الأيديولوجي وحده يقف وراء التحول الكولومبي، إذ تتقاطع معه اعتبارات أخرى تتصل بإعادة بناء شبكة التحالفات والشراكات الدولية لبوغوتا، وبحثها عن آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والسياسي.

حكومة جديدة وسياسة خارجيّة مختلفة

ويكتسب هذا التّحوّل بعداً إضافياً مع وصول أبيلاردو دي لا إسبرييّا إلى الرئاسة خلفاً لغوستافو بيترو. فقد تولى دي لا إسبرييّا منصبه في 7 غشت 2026، بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية، في تحول سياسي واضح نحو اليمين.

كما يرتبط الرئيس الجديد بنائب الرئيس خوسيه مانويل ريستريبو، الذي انتُخب معه للفترة الرئاسية الممتدة من 2026 إلى 2030.

ومن هذه الزّاوية، يمكن قراءة الموقف الجديد من قضية الصحراء ضمن إعادة أوسع لترتيب أولويات السياسة الخارجية الكولومبية، في ظل رغبة الإدارة الجديدة في تعزيز علاقاتها مع شركاء تقليديين، وتطوير التعاون مع الولايات المتحدة، وفتح آفاق أوسع للعلاقات الاقتصادية والدبلوماسية.

الحكم الذّاتي في قلب التّحوّلات الدّولية

ويأتي التّحوّل الكولومبي في سياق دولي شهد بدوره تطورات مهمة بشأن قضية الصحراء. فقد اعتمد مجلس الأمن القرار رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025، ومدد بموجبه ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء «مينورسو» إلى 31 أكتوبر 2026، كما دعا الأطراف إلى الانخراط في المفاوضات على أساس مقترح الحكم الذاتي المغربي، مع التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول على أساس التوافق.

ويمنح هذا التّطوّر الأممي مقترح الحكم الذاتي موقعاً مركزياً في المسار التّفاوضي، وهو ما ينسجم مع الاتجاه الذي تبنته خلال السنوات الماضية مجموعة من الدول التي باتت تعتبر المقترح المغربي إطاراً عملياً للتوصل إلى تسوية سياسية.

وفي السّياق نفسه، شهدت أمريكا اللاتينية مواقف متباينة ومتغيرة تجاه النزاع، مع انتقال عدد من العواصم إلى مواقف أكثر قرباً من المقاربة المغربية، سواء عبر دعم مبادرة الحكم الذاتي أو التأكيد على الوحدة الترابية للمملكة.

وبهذا المعنى، لا يمثّل الموقف الكولومبي مجرّد تعديل في ملف دبلوماسي ثنائي، بل يشكّل تحوّلاً لافتاً في موقف دولة كانت قد اتّخذت خلال فترة قريبة اتّجاهاً مغايراً، بما يعيد رسم خريطة المواقف داخل أمريكا اللاتينية ويمنح العلاقات المغربية الكولومبية فرصة للانتقال إلى مستوى جديد من التّعاون السياسي والاقتصادي والاستراتيجي.