دخلت العلاقات المغربية المالية مرحلة جديدة تتجاوز الإطار السياسي والدبلوماسي نحو بناء شراكة اقتصادية أكثر اتساعا، في أعقاب مخرجات اجتماع اللجنة المشتركة الكبرى للتعاون المنعقد في العاصمة المالية باماكو، الذي أكد إرادة البلدين في توسيع الاستثمارات، وتعزيز المبادلات التجارية، وإطلاق مشاريع مشتركة في عدد من القطاعات الحيوية.
ويأتي هذا التطور بعد أشهر من إعلان مالي، في أبريل الماضي، دعمها للسيادة المغربية على الصحراء، وهو موقف منح زخما إضافيا لمسار التقارب بين الرباط وباماكو، وفتح آفاقا جديدة للتعاون الاقتصادي.
وتتزامن هذه الدينامية مع تحولات متسارعة تعرفها منطقة الساحل، حيث تتجه الدول إلى إعادة صياغة تحالفاتها الإقليمية. ففي الوقت الذي يعمل فيه المغرب على توسيع حضوره الاقتصادي في غرب إفريقيا، تبحث مالي عن شركاء قادرين على مواكبة برامجها التنموية، خاصة بعد تراجع حضور شركائها التقليديين، وفي مقدمتهم فرنسا التي أنهت وجودها العسكري في البلاد وانخفض حضورها الاقتصادي بشكل ملحوظ.
كما يكتسب هذا التقارب بعدا سياسيا إضافيا بعد تجديد باماكو، اليوم الجمعة، تأكيد انخراطها في المبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، وهو ما يعكس تلاقي المصالح السياسية والاقتصادية بين الجانبين، إذ يوفر للمغرب شريكا مؤثرا في منطقة الساحل، بينما يتيح لمالي فرصة الاستفادة مستقبلا من البنية التحتية والموانئ المغربية للوصول إلى الأسواق الدولية.
ويحمل تجديد الدعم المالي للمبادرة الأطلسية أبعادا اقتصادية واضحة، باعتبارها مشروعا يستهدف الحد من العزلة الجغرافية التي تعاني منها الدول غير المطلة على البحر. ومع استكمال المشاريع المرتبطة بهذه المبادرة، وفي مقدمتها ميناء الداخلة الأطلسي، ينتظر أن تستفيد مالي من ممرات لوجستية وتجارية جديدة تساهم في خفض تكاليف النقل، وتيسير حركة الصادرات والواردات، إلى جانب تنويع شركائها التجاريين.
ومن الجانب المغربي، ينسجم الانفتاح على السوق المالية مع الاستراتيجية التي تنهجها المملكة لتعزيز حضورها الاقتصادي بالقارة الإفريقية، من خلال استثمارات تشمل قطاعات الأبناك والتأمينات والاتصالات والأسمدة والطاقة والبنيات التحتية. كما أن استقرار العلاقات السياسية بين البلدين يوفر بيئة أكثر ملاءمة لتوسيع هذه الاستثمارات، في ظل وجود إرادة مشتركة لمعالجة العراقيل التي تواجه المستثمرين.
وشكل تنظيم المنتدى المغربي المالي للأعمال أحد أبرز المؤشرات العملية على هذا التوجه، بعدما استقطب أكثر من 300 فاعل اقتصادي يمثلون البلدين، وينشطون في مجالات الصناعات الغذائية والطاقة والبناء والعقار والمناجم والخدمات المالية والاتصالات واللوجستيك، في خطوة تعكس اهتمام القطاع الخاص بتحويل التقارب السياسي إلى مشاريع استثمارية وشراكات إنتاجية.
وأسفر المنتدى كذلك عن إعادة تفعيل مجلس الأعمال المغربي المالي، الذي ينتظر أن يضطلع بدور منصة دائمة لتحديد فرص الاستثمار، ومواكبة المقاولات، والمساهمة في معالجة الإشكالات الإدارية والقانونية التي قد تواجه المستثمرين، بما يدعم نمو المبادلات التجارية بين البلدين خلال السنوات المقبلة.
وفي قطاع الطاقة، اتجه البلدان إلى تعزيز التعاون بين الفاعلين الاقتصاديين عبر توقيع اتفاقية تجمع الفيدرالية الوطنية للكهرباء والإلكترونيات والطاقات المتجددة بالمغرب ونظيرتها في مالي، في وقت تحتاج فيه باماكو إلى استثمارات لتطوير شبكات الكهرباء وتوسيع الاعتماد على الطاقات المتجددة، وهي مجالات راكمت فيها الشركات المغربية خبرة متنامية داخل القارة الإفريقية.
ولا تقتصر فرص التعاون على الطاقة، إذ تبرز البنيات التحتية ضمن القطاعات المرشحة لاستقطاب استثمارات جديدة، بالنظر إلى حاجة مالي لتطوير شبكات النقل والطرق والمنشآت اللوجستية وربطها بالممرات التجارية الإقليمية، مقابل ما تمتلكه المقاولات المغربية من خبرة في إنجاز المشاريع الكبرى داخل المملكة وخارجها، بما يؤهلها للمساهمة في تنفيذ مشاريع النقل والتجهيزات الأساسية متى توفرت الظروف التمويلية والأمنية المناسبة.
كما يمثل قطاع البناء والعقار مجالا إضافيا للتعاون، سواء عبر مشاريع السكن أو المرافق العمومية أو المناطق الصناعية، في ظل توجه الحكومة المالية إلى تحسين بنيتها الاقتصادية واستقطاب مزيد من الاستثمارات، وهو ما يفتح المجال أمام الشركات المغربية العاملة في الهندسة والإنشاءات والتخطيط العمراني.
وفي المجال الفلاحي، تبرز فرص واعدة للشراكة اعتمادا على الإمكانات الزراعية التي تزخر بها مالي، مقابل الخبرة المغربية في مجالات الري، وتدبير الموارد المائية، والأسمدة، وتثمين المنتجات الفلاحية، وهو تعاون من شأنه الإسهام في رفع الإنتاجية الزراعية وتعزيز الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الصناعات المرتبطة بالقطاع.
أمّا على المستوى التجاري، فلا يقتصر الرهان على رفع حجم المبادلات الثنائية، بل يمتد إلى توظيف موقع مالي كبوابة إضافية للمنتجات المغربية نحو أسواق الساحل، مقابل استفادة الشركات المالية من البنية اللوجستية والموانئ المغربية للوصول إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية والآسيوية، بما يمنح هذه الشراكة بعدا إقليميا يتجاوز إطار العلاقات الثنائية.
وفي المقابل، تمثل هذه الشراكة فرصة مهمة لمالي لمواجهة تحديات الاستثمار والبنية التحتية والتمويل، من خلال استقطاب الرساميل المغربية، والاستفادة من نقل الخبرات والتكوين، وتطوير مشاريع مشتركة يمكن أن تسهم في خلق فرص الشغل وتنشيط الاقتصاد، خاصة في القطاعات الإنتاجية والخدماتية.
ورغم المؤشرات الإيجابية، فإن نجاح هذه الشراكة يظل مرتبطا بتحسن الوضع الأمني في مالي، ومواصلة الإصلاحات المتعلقة بمناخ الأعمال، وتوفير الضمانات القانونية اللازمة للمستثمرين، فضلا عن تعبئة الموارد المالية الكفيلة بإنجاز المشاريع الكبرى، وتعزيز التنسيق بين الحكومتين والقطاع الخاص.
ويعكس هذا المسار رؤية مغربية تعتبر مالي شريكا استراتيجيا داخل منطقة الساحل، في إطار توجه أشمل يهدف إلى تعزيز الاندماج الإفريقي، وربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي، وتوسيع شبكة الشراكات جنوب-جنوب التي أصبحت من المرتكزات الأساسية للسياسة الخارجية للمملكة.
في المقابل، يضفي الدعم الذي تعلنه باماكو للوحدة الترابية للمغرب بعدا سياسيا إضافيا على العلاقات الثنائية، بما يعزز مناخ الثقة اللازم لتوسيع التعاون الاقتصادي، في وقت يشكل فيه نجاح المشاريع المشتركة دعامة لترسيخ هذا التقارب على المدى البعيد.
وتشير مختلف المؤشرات إلى أن العلاقات المغربية المالية تتجه نحو نموذج جديد يجمع بين التقارب السياسي والتكامل الاقتصادي، في منطقة تعرف تحولات متسارعة على مستوى النفوذ والاستثمار وشبكات التجارة الإقليمية، مع بقاء نجاح هذا المسار رهينا أيضا بقدرة السلطات المالية على مواجهة التحديات الأمنية المرتبطة بالصراع مع الجماعات الجهادية والانفصالية في أزواد.






