لم تعد مناورات «الأسد الإفريقي» تقتصر على التدريب العسكري التقليدي وتنسيق الوحدات والعمليات الميدانية، إذ باتت تشكل فضاءً لاختبار تقنيات عسكرية متقدمة يُراد لها أن تكون جزءاً من منظومات القتال خلال السنوات المقبلة، في تحول برز بشكل واضح خلال نسخة 2026 التي احتضن المغرب جانباً رئيسياً من فعالياتها.
ومن أبرز التّجارب التي جرت خلال المناورات، اختبار الجيش الأمريكي لمنظومة Long Range Precision Munition (LRPM) في منطقة طانطان خلال شهر ماي 2026، حيث أطلقت القوات الأمريكية خمسة أسلحة دقيقة بعيدة المدى، في تجربة ركزت على مدى قدرة المنظومة على العمل بدرجة عالية من الاستقلالية، وعلى إمكانية تحكم مشغل واحد في عدة ذخائر خلال المهمة نفسها.
وبحسب تقرير رسمي نشره الجيش الأمريكي في 8 غشت الجاري، نفذت وحدة عملياتية أمريكية التجربة ضمن سيناريو حمل اسم «الضربة العميقة». وتمّ إطلاق سلاحيْن بشكل متزامن في 2 ماي، قبل إطلاق ثلاثة أسلحة أخرى بصورة متزامنة في 4 ماي، وذلك لاختبار قدرات التحكم المتعدد والاستقلالية أثناء التحليق وتنفيذ المهام.
منظومة تتجاوز مفهوم السّلاح التّقليدي
وتختلف منظومة «LRPM» عن الصواريخ التقليدية التي تُوجّه نحو هدف محدد وفق مسار معلوم مسبقاً، إذ يصنفها الجيش الأمريكي ضمن منظومة Launched Effects Lethal، وهي ذخيرة تطلق من أنبوب ويمكن تشغيلها من منصات أرضية أو جوية.
وتتميّز المنظومة بقدرات شبه ذاتية، مع الإبقاء على العنصر البشري ضمن حلقة الإشراف واتخاذ القرار، فيما يتجاوز مداها 290 كيلومتراً، بما يتيح استخدامها لاستهداف مواقع تقع في عمق ميدان العمليات، بعيداً عن خطوط المواجهة المباشرة.
وتعتمد المنظومة أساساً على المركبة الجوية Altius 700 إلى جانب حمولة قتالية طورها الجيش الأمريكي. ويمكن تشغيل مجموعة من هذه الوحدات ضمن شبكة واحدة تعرف باسم Wolfpack، بما يسمح لها بالتنسيق خلال تنفيذ المهمة والبحث عن الأهداف ومهاجمتها، سواء تعلق الأمر بهدف واحد أو بمجموعة أهداف في الوقت نفسه.
وخلال تجربة طانطان، جرى اختبار هذا المفهوم في إطار ما يعرف بـ«الصياد-القاتل»، حيث تعمل مجموعة من الذخائر بصورة مترابطة داخل عمق المجال العملياتي، وهو ما يمنح التجربة بعداً يتجاوز مجرد اختبار سلاح منفرد.
تجربة تمهّد للإدخال إلى الخدمة
وتزداد أهمية الاختبار بالنظر إلى المرحلة التي بلغتها منظومة «LRPM» داخل برامج الجيش الأمريكي، إذ لم تعد، وفق المعطيات الواردة في التقرير الرسمي، مجرد مشروع بحثي طويل الأمد، بل أصبحت «برنامج تسجيل رسمي»، ويتم تطويرها ضمن مسار سريع للنماذج الأولية.
ويُرتقب أن يبدأ إدخال المنظومة إلى الخدمة قبل نهاية سنة 2027، ما يجعل الاختبارات التي جرت في طانطان جزءاً من مسار تطوير قدرة عسكرية يجري الإعداد لاستخدامها عملياتياً في المستقبل.
«الأسد الإفريقي».. تدريب متعدّد المجالات
وتعكس طبيعة هذه التجربة التحول الذي شهدته مناورات «الأسد الإفريقي 2026»، والتي لم تعد تركز فقط على السيناريوهات العسكرية التقليدية.
وفي المغرب وحده، شارك نحو خمسة آلاف عسكري ينتمون إلى أكثر من 40 دولة، إلى جانب أكثر من 30 شركة أمريكية تنشط في الصناعات والتكنولوجيا الدفاعية. وشملت الأنشطة مجالات البر والجو والبحر، إضافة إلى الفضاء السيبراني والفضاء، إلى جانب تجارب مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والأنظمة الذاتية والطائرات بدون طيار وتقنيات القيادة والسيطرة.
ويصف الجيش الأمريكي «الأسد الإفريقي» بأنّه أكبر تمرين مشترك سنوي تنفذه القيادة الأمريكية في إفريقيا. وخلال التدريبات التي جرت في رأس درعة وطانطان، اختبرت القوات الأمريكية بدورها عدداً من الطائرات المسيرة والأنظمة الذاتية وتقنيات تستهدف تقليص الفترة الفاصلة بين اكتشاف الهدف واتخاذ قرار التعامل معه.
وتشير طبيعة هذه الاختبارات إلى انتقال متزايد من التدريب العسكري بمفهومه التقليدي إلى تجريب منظومات وتقنيات مرتبطة بالحرب متعددة المجالات في ظروف ميدانية فعلية.
طانطان في قلب التّعاون العسكري المغربي الأمريكي
ويأتي اختبار منظومة «LRPM» في سياق تعاون عسكري متنامٍ بين الرباط وواشنطن، تعزز في 13 يوليوز الماضي بتوقيع مذكرة تفاهم بين المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وقائد المنطقة الجنوبية، الفريق أول محمد بريظ، وقائد القيادة الأمريكية لإفريقيا، الجنرال داغفين أندرسون، بمقر «أفريكوم» في شتوتغارت.
وتتعلّق المذكّرة بإحداث «المركز الإفريقي للتدريب والتجارب متعددة المجالات – AMTEC» في طانطان، وهو مشروع يفترض أن يتكون، في أفق سنة 2030، من ثلاثة مكونات رئيسية: منطقة للتدريب متعدد المجالات، وأكاديمية للطائرات بدون طيار، ومركز للابتكار والتجارب.
ولا يقتصر التّصوّر المرتبط بالمركز على تدريب القوات العسكرية، إذ يشمل أيضاً إتاحة المجال أمام الصناعات الدفاعية المغربية والأمريكية والجامعات لتطوير واختبار تقنيات جديدة في مجالات من بينها الشبكات والاتصالات وأجهزة الاستشعار والأنظمة الذاتية.
من المناورات إلى الابتكار العسكري
ويعكس هذا المسار انتقال التعاون الدفاعي بين المغرب والولايات المتحدة من التركيز على اقتناء المعدات وتنظيم التدريبات المشتركة إلى الانخراط بصورة أكبر في مجالات التجريب والتطوير والابتكار العسكري.
ويأتي ذلك ضمن «خارطة طريق التعاون الدفاعي 2020-2030» التي وقعها البلدان في الرباط، والتي حددت ضمن أهدافها تعزيز قابلية القوات المغربية والأمريكية للعمل المشترك، إلى جانب دعم تحديث القوات المسلحة الملكية.
كما تصف وزارة الدفاع الأمريكية المغرب بأنّه «حليف رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي» وشريك أمني استراتيجي، مع إبراز موقع المملكة كحلقة وصل بين إفريقيا والفضاء الأطلسي والمتوسطي.
وبالنّظر إلى طبيعة التّجارب التي احتضنتها طانطان، يبدو أنّ البعد الجديد في الشراكة العسكرية المغربية الأمريكية يتجه نحو توفير فضاء ميداني لاختبار قدرات عسكرية متقدمة، مقابل توسيع نطاق التعاون الأمريكي مع المغرب ليشمل التكنولوجيا والابتكار والقيادة والسيطرة والحرب متعددة المجالات.
وتقدّم تجربة «LRPM» نموذجاً واضحاً لهذا التّحوّل، بعدما انتقلت المناورات في جانب منها من اختبار الجاهزية العسكرية التقليدية إلى اختبار منظومات يجري تطويرها لتلبية متطلبات ساحات القتال المستقبلية.








