أعاد كارلس بويغديمونت، الرئيس السابق لحكومة إقليم كتالونيا وزعيم حزب «جونتس»، قضية سبتة ومليلية إلى واجهة النقاش السياسي في إسبانيا، بعدما دعا إلى تنظيم استفتاء يتيح لسكان المدينتين تحديد موقفهم من مستقبلهما السياسي.
ووصف بويغديمونت، في تصريحات نقلتها صحيفة «La Razón» عن صحيفة «The Times»، سبتة ومليلية بأنّهما «مستعمرتان داخل المغرب»، معتبراً أن وجودهما يشكل، من وجهة النظر المغربية، قضية ذات طابع تاريخي وسياسي لم تُحسم. وفي المقابل، أقر بأن سكان سبتة يرتبطون بقوة بإسبانيا، لكنه رأى أن التعبير عن هذا الانتماء عبر تصويت مباشر من شأنه أن يمنحه، وفق طرحه، شرعية ديمقراطية أوضح.
ولا يشكل موقف زعيم «جونتس» تحولاً مفاجئاً في مواقفه بشأن المدينتين. ففي ماي 2021، وفي خضم أزمة سياسية حادة بين الرباط ومدريد، وصف سبتة ومليلية بأنهما «مدينتان إفريقيتان»، وربط وضعهما بما اعتبره امتداداً لإرث الحقبة الاستعمارية، كما دعا آنذاك إلى فتح حوار مباشر بين المغرب وإسبانيا بشأن مسألة السيادة.
وخلال شتنبر الجاري، عزز بويغديمونت هذا التوجه من خلال الترويج لمقال للأكاديمي جوزيف مسعد يتناول وضع سبتة ومليلية من زاوية تصفية الاستعمار. ولفت زعيم «جونتس» الانتباه إلى الجزء الذي يناقش مستقبل المدينتين في سياق إنهاء الاستعمار، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى طرح أكثر مباشرة يتمثل في الدعوة إلى إجراء استفتاء.
ولم يبق النقاش محصوراً في تصريحات بويغديمونت، إذ نقل حزب «جونتس» القضية إلى مجلس الشيوخ الإسباني في 9 شتنبر الجاري. وطرح الحزب، من خلال السيناتور إدوارد بوجول، مقترحاً يدعو الحكومة الإسبانية إلى التعامل مع المطالب المغربية بشأن المدينتين وفق مقاربة وصفها بالديمقراطية، مع التأكيد على أن أي نقاش حول مستقبلهما السياسي ينبغي أن يأخذ في الاعتبار الإرادة الحرة لسكانهما عبر استفتاء.
في المقابل، لا يعكس هذا الطرح تغييراً في الموقف الرسمي للحكومة الإسبانية من وضع المدينتين. فقد واصلت مدريد التأكيد على سيادتها عليهما وعلى وحدة أراضيها، وهو الموقف الذي جدده وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس خلال زيارته إلى سبتة. كما شهد البرلمان الإسباني مبادرات سياسية تؤكد ما تصفه بـ«السيادة الإسبانية الكاملة» على المدينتين، وترفض المطالب المغربية المتعلقة بوضعهما.
وبذلك، يبدو أن التطور الأبرز في النقاش الحالي لا يتمثل في حدوث تغيير رسمي في سياسة مدريد، وإنما في انتقال قضية سبتة ومليلية إلى مساحة أوسع من الجدل السياسي داخل المؤسسات الإسبانية نفسها.
فبينما يطرح بويغديمونت وحزب «جونتس» خيار الاحتكام إلى إرادة السكان عبر استفتاء، تتمسك الحكومة الإسبانية وأطراف سياسية أخرى بالموقف القائم على السيادة الإسبانية. وفي الوقت نفسه، يواصل المغرب إثارة قضية المدينتين في سياق تاريخي وسياسي مرتبط بوضعهما الجغرافي وتاريخ الوجود الاستعماري الأوروبي في شمال إفريقيا.
وهكذا، بات ملف سبتة ومليلية يتجاوز، في جزء من النقاش السياسي الإسباني الراهن، إطاره التقليدي باعتباره قضية خلافية بين الرباط ومدريد، ليصبح أيضاً موضوعاً للجدل داخل المؤسسات والأحزاب الإسبانية حول طبيعة التعامل مع مستقبل المدينتين.








