تتّجه أنظار المتابعين للشأن التشريعي بالمغرب إلى الولاية التشريعية الثانية عشرة، التي تنطلق على وقع ملفات مالية واجتماعية وقانونية متفاوتة من حيث درجة الاستعجال والجاهزية، بين مشاريع ترتبط بآجال قانونية محددة، وإصلاحات لم تستكمل مسارها خلال الولاية الماضية، ونصوص دخلت حيز التنفيذ وتنتظر استكمال مقتضيات تطبيقها.

وفي صدارة هذه الملفات، يبرز مشروع قانون المالية لسنة 2027، إلى جانب مراجعة مدونة الأسرة ومجموعة القانون الجنائي، وإصلاح أنظمة التقاعد ومدونة الشغل. كما تشمل الأجندة التشريعية مشاريع قطاعية تتعلق بالصحة والجماعات الترابية والأرصاد الجوية والمناخ، فضلا عن الإشكالات المرتبطة بتنزيل القانون المنظم لمهنة المحاماة.

ميزانية 2027 تفرض تسريع الاستعدادات البرلمانية

يواجه مجلس النواب الجديد أول استحقاق مالي رئيسي مع اقتراب موعد إيداع مشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي تحدد المادة 48 من القانون التنظيمي لقانون المالية يوم 20 أكتوبر كآخر أجل لإيداعه لدى مكتب المجلس.

ويضع هذا الموعد المؤسسة التشريعية أمام ضرورة استكمال استعداداتها التنظيمية، بما يسمح بإحالة المشروع على اللجان المختصة وبدء دراسته وفق المسطرة القانونية المعمول بها.

وتتجاوز أهمية المشروع الجانب الإجرائي، بالنظر إلى ارتباطه بتحديد توجهات الإنفاق العمومي والتدابير الجبائية التي ستعتمدها الحكومة الجديدة. وسيكون توزيع الاعتمادات المالية على الصحة والتعليم والتشغيل والحماية الاجتماعية والاستثمار العمومي من بين الجوانب التي تستدعي التدقيق البرلماني، خصوصا في ظل ضرورة التوفيق بين تمويل الأولويات الاجتماعية وضبط عجز الميزانية ومستويات المديونية.

إصلاح مدونة الأسرة ينتظر الصيغة الرسمية للإحالة

وفي المجال الاجتماعي، لا يزال إصلاح مدونة الأسرة من أبرز الملفات التي تنتظر استكمال مسارها الحكومي قبل الانتقال إلى المناقشة البرلمانية. فرغم المشاورات التي رافقت إعداد المراجعة، لم يُحسم هذا الورش خلال الولاية التشريعية السابقة.

وكان عبد اللطيف وهبي، وزير العدل في الحكومة المنتهية ولايتها، قد أشار إلى المشروع ضمن الإصلاحات المنتظرة خلال المرحلة التشريعية المقبلة، غير أن مناقشته داخل البرلمان تظل مرتبطة باعتماد الصيغة الرسمية وإحالتها وفق المساطر القانونية.

وتشمل القضايا التي تناولتها مقترحات المراجعة زواج القاصرات، والحضانة، والنيابة القانونية على الأطفال، والتعدد، وتدبير الأموال المكتسبة أثناء الزواج. ومن شأن طرح هذه المقتضيات أن يعيد النقاش حول الضمانات القانونية لحقوق النساء والأطفال، وحدود التوازن بين الاعتبارات الاجتماعية والمرجعيات المؤطرة لقانون الأسرة.

القانون الجنائي.. ملف آخر ينتظر استكمال المسار التشريعي

ويشكّل تعديل مجموعة القانون الجنائي بدوره أحد الأوراش التي لم تصل إلى الحسم خلال الولاية السابقة، رغم النقاشات التي أحاطت بمراجعة عدد من مقتضياته.

وتتّصل القضايا المطروحة في هذا المجال بتحديث القواعد المتعلقة بالجرائم والعقوبات، ومواكبة التحولات الرقمية، وحماية الحياة الخاصة، فضلا عن النقاش المتعلق بالحريات الفردية. كما سبق أن أشار وزير العدل إلى مشروع التعديل ضمن النصوص المنتظرة، بما في ذلك مقتضيات ترتبط بالتواصل عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

لكن انتقال المشروع إلى مرحلة المناقشة البرلمانية يظل مشروطا باستكمال مساره الحكومي وإحالته رسميا على المؤسسة التشريعية.

وفي هذا السّياق، ينبغي التمييز بين إصلاح القانون الجنائي وتعديل قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23، الذي دخل حيز التنفيذ في 8 دجنبر 2025؛ فالأول يهم الأحكام الموضوعية المتعلقة بالتجريم والعقاب، بينما ينظم الثاني إجراءات البحث والمتابعة والمحاكمة.

أنظمة التقاعد ومدونة الشغل أمام رهانات الحوار الاجتماعي

وعلى المستوى الاقتصادي والاجتماعي، يبرز إصلاح أنظمة التقاعد ضمن الملفات التي تنتظر تقدما ملموسا، في ظل التحديات المرتبطة بالتوازنات المالية للصناديق وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها المستقبلية.

ويشمل النقاش بشأن هذا الإصلاح مجموعة من القضايا الحساسة، من بينها سن الإحالة على التقاعد، ونسب المساهمات، ومستويات المعاشات. وهي اختيارات ترتبط مباشرة بمصالح الأجراء والمتقاعدين، ما يجعل التوافق مع الشركاء الاجتماعيين عاملا أساسيا في بلورة أي صيغة إصلاحية.

أمّا مراجعة مدونة الشغل، فتطرح بدورها أسئلة تتعلق بتنظيم علاقات العمل، وتحسين ظروف التشغيل، وصيانة حقوق الأجراء، مع مراعاة الإكراهات التي تواجه المقاولات.

ولا يتعلق الأمر بمشروعين نهائيين جاهزين للمصادقة، بل بورشين يتطلبان مواصلة التشاور وصياغة مقترحات حكومية قبل الانتقال إلى المسطرة التشريعية.

الصحة والجماعات الترابية ضمن المشاريع القطاعية

وإلى جانب الإصلاحات الكبرى، تتضمن الأجندة التشريعية مشاريع قوانين قطاعية أودعت خلال الولاية السابقة، من بينها مشروع القانون رقم 52.26 المتعلق بالمنظومة المعلوماتية الصحية الوطنية المندمجة، الذي أودع لدى مجلس النواب في 31 يوليوز 2026.

ويرتبط هذا المشروع بتنظيم المعطيات الصحية وتبادلها بين المؤسسات المعنية، وهو ما يضع قضايا رقمنة الخدمات الصحية وتدبير المعلومات وحماية البيانات الشخصية للمرضى ضمن الجوانب التي تستدعي المتابعة.

وفي ما يتعلق بالجماعات الترابية، أودعت الحكومة لدى مجلس المستشارين، في 5 يونيو 2026، مشروع القانون رقم 47.25 بمثابة النظام الأساسي الخاص بموظفي إدارة الجماعات الترابية، قبل إحالته على اللجنة المختصة بعد ثلاثة أيام.

ويستهدف النص تأطير الوضعيات المهنية لهذه الفئة من الموظفين، فيما يندرج مشروع القانون رقم 05.26 المتعلق بنظام الأرصاد الجوية والمناخ وإحداث الوكالة المغربية للأرصاد الجوية والمناخ ضمن المشاريع القطاعية التي يتعين تتبع مراحلها التشريعية.

وتختلف الوضعية القانونية لهذه النصوص بحسب المؤسسة التي أحيلت عليها والمرحلة التي بلغتها، وهو ما يستدعي عدم التعامل معها باعتبارها مشاريع موجودة جميعها أمام مجلس النواب أو جاهزة للتصويت.

قانون المحاماة يفتح ملف تنزيل النصوص القانونية

وفي مقابل المشاريع التي تنتظر استكمال مسارها التشريعي، يطرح القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة تحديات مرتبطة بمرحلة التطبيق، بعدما دخل حيز التنفيذ في 20 غشت 2026.

وتتعلق أبرز الإشكالات باستكمال النصوص التنظيمية اللازمة لتنفيذ بعض مقتضياته، ومتابعة انعكاساته على تنظيم المهنة وشروط الولوج إليها، فضلا عن القضايا التي قد تبرز خلال تنزيل أحكامه على أرض الواقع.

وبذلك، ينتقل الاهتمام في هذا الملف من مرحلة المصادقة على القانون إلى متابعة تنفيذه، وما يقتضيه ذلك من إجراءات تنظيمية وتوضيحات بشأن تطبيق المقتضيات الجديدة.

بين النصوص الجاهزة والإصلاحات المؤجلة.. ما الأولويات؟

تضع هذه الملفات البرلمان المغربي الجديد أمام أجندة متعددة المستويات؛ فمشروع قانون المالية يرتبط بموعد محدد، والمشاريع القطاعية تتوزع على مراحل مختلفة من المسطرة التشريعية، بينما تحتاج إصلاحات مدونة الأسرة والقانون الجنائي والتقاعد ومدونة الشغل إلى استكمال الإعداد والتشاور قبل عرضها على النواب.

ومن ثمّ، يرتبط تدبير المرحلة المقبلة بمدى قدرة الحكومة والمؤسسة التشريعية على ترتيب الأولويات، وتحديد الملفات التي يمكن الشروع في مناقشتها، وتلك التي تتطلب مزيدا من التحضير والتوافق.

ولا يتوقّف الرهان عند تسريع المصادقة على القوانين، بل يشمل أيضا ضمان وضوح مقتضياتها وقابليتها للتطبيق، وتحقيق التوازن بين المتطلبات المالية والاقتصادية والحقوق الاجتماعية التي تمس شرائح واسعة من المواطنين.