وجّه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، خطاباً سامياً إلى أعضاء مجلسي البرلمان، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، في محطة دستورية تتزامن مع انطلاق مرحلة تشريعية جديدة، وتطرح رهانات اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية تتطلب الانتقال من تحديد الأولويات إلى تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع.

وقد رسم الخطاب ملامح توجه استراتيجي يقوم على تعزيز مكانة المغرب باعتباره قوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، مع التشديد على ضرورة تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية. كما حدد مجموعة من الأوراش ذات الأولوية، تشمل الأمن المائي والطاقي والغذائي، والتصنيع، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تحسين فرص الشباب وتسريع وتيرة الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري.

وتبرز أهمية هذه التوجيهات في كونها تربط بين طموحات التنمية الاقتصادية ومتطلبات تحسين ظروف عيش المواطنين، وتضع المؤسسة التشريعية أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية في مواكبة الإصلاحات ومراقبة تنفيذها. ويتيح الجمع بين النص الرسمي للخطاب وقراءات باحثين مغاربة في التواصل السياسي والتنمية استجلاء أبرز رسائله الداخلية والخارجية، واستشراف التحديات المرتبطة بتنزيلها.

أولاً: التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.. معادلة المرحلة المقبلة

حدّد الخطاب الملكي ملامح المرحلة المقبلة من خلال الدعوة إلى جعل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً في مسار بناء اقتصاد وطني صاعد، قادر على تعزيز تنافسية المملكة وتوسيع قاعدة الاستثمار والإنتاج، دون إغفال متطلبات العدالة الاجتماعية والمجالية.

ولا يقتصر هذا التوجه على تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة، بل يطرح سؤالاً جوهرياً يتعلق بكيفية توزيع ثمار التنمية بين الفئات الاجتماعية والمناطق الترابية، ومدى انعكاس الاستثمارات والمشروعات الكبرى على فرص الشغل وجودة الخدمات العمومية ومستوى العيش.

وفي قراءة تحليلية منشورة بموقع MarocInsight بتاريخ 9 أكتوبر 2026، يربط الدكتور عياد جلول بين التوجهات التي تضمنها الخطاب ومسؤولية الانتقال من الإنجازات الاقتصادية إلى تحقيق أثر اجتماعي ملموس. وتبرز هذه القراءة أهمية ألا يظل نجاح السياسات التنموية مرتبطاً بحجم المشروعات المعلنة، بل أن يقاس أيضاً بما تحدثه من تغيير في حياة المواطنين.

ومن هذا المنطلق، تبرز ثلاثة اختبارات أساسية أمام الفاعلين العموميين:

تعزيز قدرة الاقتصاد على خلق فرص شغل مستدامة، ولا سيما لفائدة الشباب.

تقليص الفوارق بين الجهات والمجالات الحضرية والقروية في الاستفادة من الاستثمارات والخدمات.

ضمان التّنسيق بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية حتى لا تتحول الدينامية الاستثمارية إلى نتائج متفاوتة الأثر بين المناطق والفئات.
وعليه، فإن التحدي لا يتمثل في الاختيار بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، بل في بناء علاقة تكاملية بينهما، تجعل من الاستثمار والإنتاج وسيلتين لتوسيع فرص الاندماج الاقتصادي والاجتماعي.

ثانياً: الأمن الاستراتيجي.. الماء والطاقة والغذاء والتصنيع والذكاء الاصطناعي

أولى الخطاب الملكي أهمية خاصة لتعزيز القدرات الاستراتيجية للمملكة، داعياً إلى إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات في مجالات الماء والطاقة والأمن الغذائي، إلى جانب تسريع التصنيع وتطوير الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.

كما أكّد ضرورة تسريع تطوير القدرات المرتبطة بالمخزونات الاستراتيجية وتأمين إمدادات المواد الأساسية، بما يعكس توجهاً نحو تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة التحولات الجيو-اقتصادية والاضطرابات التي قد تؤثر في سلاسل التوريد والأسواق الدولية.

وتكتسب هذه الأولويات أهمية مترابطة؛ فالأمن المائي يرتبط باستمرارية النشاط الزراعي والصناعي، والأمن الطاقي يؤثر في كلفة الإنتاج وتنافسية المقاولات، بينما يشكل الأمن الغذائي أحد العناصر الأساسية للاستقرار الاجتماعي. أما التصنيع والتحول الرقمي، فيمكن أن يسهما في تنويع الاقتصاد ورفع القيمة المضافة وتقليص بعض أوجه الارتهان للخارج.

ويطرح هذا التوجه ضرورة الانتقال من المقاربة القطاعية المنفصلة إلى رؤية متكاملة تربط بين الموارد الطبيعية والإنتاج الصناعي والابتكار التكنولوجي. كما يتطلب توفير شروط التنفيذ، من تمويل وكفاءات بشرية وبنيات تحتية وحكامة واضحة، مع وضع مؤشرات قابلة للقياس لتقييم التقدم المحرز.

ويعني التّركيز على الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي أن التنافسية المستقبلية لن تتحدد فقط بقدرة المملكة على استقطاب الاستثمارات التقليدية، بل أيضاً بمدى قدرتها على تطوير المهارات الرقمية، وتشجيع الابتكار، وتوسيع استخدام التكنولوجيا في الإدارة والخدمات والإنتاج.

ثالثاً: الشباب في صلب السياسات العمومية.. من الخطاب إلى الفرص

أكّد جلالة الملك ضرورة وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية وأجندة هيئات الحكامة، داعياً إلى بلورة رؤية شاملة تضمن تكافؤ الفرص، وتجمع بين التعليم وتنمية المهارات والاندماج الاقتصادي.

وتعكس هذه التّوجيهات إدراكاً للترابط بين جودة التكوين ومتطلبات سوق الشغل، وبين فرص الاندماج الاقتصادي وثقة الشباب في المؤسسات وفي إمكانات بناء مستقبل مستقر وكريم.

وتقتضي ترجمة هذا التّوجّه إلى نتائج عملية تجاوز الاقتصار على البرامج العامة، والعمل على تحسين الصلة بين منظومة التعليم والتكوين المهني والحاجات الفعلية للمقاولات والقطاعات الإنتاجية. كما تبرز أهمية دعم المبادرات المقاولاتية، وتيسير ولوج الشباب إلى فرص التدريب والتشغيل، وتحسين استفادة الفئات الموجودة في المناطق الأقل حظاً من الخدمات والفرص الاقتصادية.

ومن زاوية تحليل الخطاب السّياسي والمؤسساتي، تضع الباحثة الدكتورة فاطمة الزهراء عتاق، في قراءة نشرها موقع Le12.ma يوم 9 أكتوبر 2026، تمكين الشباب ضمن المحاور الاستراتيجية للخطاب، إلى جانب الأمن الاستراتيجي والجهوية المتقدمة ومكانة المغرب الاقتصادية. كما تشدد قراءتها على ضرورة دراسة شروط تحويل التوجيهات الملكية إلى برامج وممارسات قابلة للتقييم.

وتكمن أهمية هذه المقاربة في أن نجاح السياسات الموجهة إلى الشباب لا يقاس بعدد المبادرات المعلنة وحده، بل بمدى انعكاسها على فرص التشغيل، وجودة التكوين، وإمكانية الانتقال من التعليم إلى الحياة المهنية، وتكافؤ الفرص بين مختلف الفئات والمناطق.

رابعاً: الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري.. اختبار القرب والنجاعة

من أبرز محاور الخطاب التّأكيد على أن التحدي الحقيقي خلال المرحلة المقبلة يكمن في العمل الميداني على المستوى المحلي، من أجل تحديد المشكلات الفعلية التي تواجه كل جهة، واقتراح حلول واقعية تستجيب لحاجات المواطنين.

وفي هذا السّياق، ربط جلالة الملك بين التنمية المندمجة وتحسين الخدمات العمومية وتعزيز الاستثمار المنتج، من جهة، وبين تفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، من جهة أخرى. كما نبه إلى أن التأخر والاختلالات التي لا تزال تعيق تنزيل هذين الورشين تؤثر سلباً في البرامج الاقتصادية والاجتماعية وتحد من الاستجابة لانشغالات المواطنين.

ويحمل هذا التوجيه دلالة مؤسساتية مهمة، إذ يبرز أن وجود البرامج والمخططات لا يكفي لتحقيق التنمية ما لم تتوفر آليات فعالة لتنفيذها على المستوى الترابي. فالمشكلات التي تواجه المناطق القروية، على سبيل المثال، قد تختلف عن تلك التي تواجه المدن الكبرى، كما تتباين حاجات الجهات بحسب بنياتها الاقتصادية ومواردها وتجهيزاتها.

ومن ثمّ، فإن تعزيز الجهوية المتقدمة يقتضي وضوح الاختصاصات والمسؤوليات، وتحسين التنسيق بين الإدارات المركزية والمصالح الترابية، وتوفير الموارد البشرية والمالية اللازمة، إلى جانب تطوير آليات التتبّع والمحاسبة.

أمّا اللاتمركز الإداري، فيرتبط بتمكين المصالح الترابية من صلاحيات فعلية تساعدها على اتخاذ القرارات وتنفيذها في آجال مناسبة، بدل بقاء معالجة الملفات رهينة المساطر الطويلة أو تعدد مستويات القرار.

وبذلك، يصبح القرب الإداري وسيلة لتحسين جودة الخدمات العمومية، وتقليص الفوارق المجالية، وتوجيه الاستثمار نحو حاجات كل منطقة، بما يجعل المواطن قادراً على ملاحظة أثر السياسات العمومية في حياته اليومية.

خامساً: القطاع الخاص والاستثمار المنتج.. مسؤولية في التحول الاقتصادي

وجّه الخطاب الملكي دعوة واضحة إلى القطاع الخاص للاضطلاع بدور استراتيجي في التحول التنموي الذي تشهده المملكة، من خلال تعزيز المبادرة والابتكار، ورفع القدرة على خلق فرص الشغل والاستثمار والتصدير.

ويعكس هذا التوجّه أهمية التكامل بين العمل العمومي والمبادرة الخاصة؛ فالدولة تضطلع بأدوار أساسية في التخطيط وتطوير البنيات التحتية وتأهيل الموارد البشرية وتحسين الإطار المؤسساتي، في حين يساهم القطاع الخاص في توسيع النشاط الإنتاجي وتطوير الخدمات وخلق فرص العمل وتعزيز تنافسية الاقتصاد.

غير أن تفعيل هذه الأدوار يتطلب بيئة استثمارية تتسم بالوضوح والاستقرار، وإجراءات إدارية أكثر نجاعة، وولوج مناسب إلى التمويل، فضلاً عن دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة وتمكينها من الاندماج في سلاسل الإنتاج والتصدير.

كما أن الدعوة إلى الابتكار لا تنحصر في اعتماد التكنولوجيا، بل تشمل تطوير نماذج الأعمال، وتحسين الإنتاجية، وتأهيل الموارد البشرية، وتوسيع القدرة على المنافسة في الأسواق الخارجية.

وتبقى إحدى القضايا الأساسية في هذا المجال هي ضمان اتساع الأثر الاجتماعي للاستثمار، بحيث لا تقتصر نتائجه على نمو المؤشرات الاقتصادية، وإنما تمتد إلى خلق فرص الشغل وتحسين الأجور وتطوير الكفاءات وتوسيع قاعدة المستفيدين من النشاط الإنتاجي.

سادساً: الشراكة مع إسبانيا والهجرة.. تجديد التعاون مع الحفاظ على السيادة

على المستوى الخارجي، خصص الخطاب الملكي حيزاً مهماً للعلاقات المغربية الإسبانية، ولا سيما التعاون في مجال الهجرة غير النظامية، مؤكداً أن الشراكة بين البلدين خيار سيادي والتزام إرادي، لا ينبغي أن يخضع للضغط أو التهديد أو الابتزاز.

وفي الوقت الذي أشار فيه الخطاب إلى التطورات التي عرفها التعاون الثنائي في مجالات متعددة، نبه إلى تحديات مرتبطة ببعض المقتضيات القانونية والأحكام القضائية التي اعتبرها متجاوزة وغير واقعية، وما قد يترتب عنها من صعوبات في معالجة ملفات إعادة القاصرين والمهاجرين.

كما أعلن جلالة الملك أن المغرب سيقدم إلى شركائه وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية واضحة وعملية، تروم فتح توجه جديد يقوم على التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.

وتكتسب هذه الإشارة أهمية دبلوماسية لأنها تجمع بين التمسك باستقلالية القرار الوطني والإبقاء على التعاون الدولي باعتباره أداة لتحقيق المصالح المشتركة. فالتوجه المعلن لا يقوم على رفض الشراكة، بل على الدعوة إلى مراجعة أسسها وآلياتها عندما تصبح غير قادرة على الاستجابة للتحديات المتجددة.

وفي تغطيتها للخطاب بتاريخ 9 أكتوبر 2026، أبرزت وكالة رويترز أن الملك اعتبر نموذج التعاون القائم في مجال الهجرة مع إسبانيا قد بلغ حدوده، في ظل تكرار الأزمات. كما أشارت الوكالة إلى أن الخطاب ربط التصور الجديد للشراكة بالتنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.

وتتقاطع هذه المعطيات مع قراءة الإعلامي والباحث عبد الفتاح الصادقي، المنشورة في صحيفة «العلم» يوم 10 أكتوبر 2026، والتي تميز بين رسائل داخلية تتعلق بالإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية، ورسائل خارجية ترمي إلى تثبيت مكانة المغرب شريكاً مستقلاً في علاقاته الدولية.

وتظل ترجمة هذا التوجه رهينة بقدرة الطرفين على تطوير آليات تعاون عملية، تراعي الالتزامات القانونية والمصالح المتبادلة، وتعالج الملفات الخلافية من خلال الحوار والتنسيق المؤسساتي.

سابعاً: الهوية الوطنية والاعتزاز بالانتماء.. رافعة للمسؤولية المشتركة

استحضر الخطاب الملكي مسألة الاعتزاز بالهوية المغربية، مؤكداً غنى الهوية الدينية والثقافية للمملكة وتعدد روافدها الحضارية، في ارتباط بتاريخ المغرب ومؤسساته.

غير أن هذا الاعتزاز لم يرد في الخطاب باعتباره مجرد تعبير رمزي، بل جرى ربطه بالمسؤولية الوطنية والثقة في المستقبل. فالاعتزاز بالانتماء، وفق المنطق الذي يعرضه الخطاب، ينبغي أن يتحول إلى التزام بالعمل والمساهمة في تنمية البلاد وصيانة مكتسباتها.

ويمنح هذا الربط الهوية بعداً عملياً، يجعلها جزءاً من تصور أوسع للتنمية والمؤسسات والمواطنة. كما يضع المسؤولية المشتركة بين المؤسسات والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين والمواطنين في صلب المسار التنموي.

ومن هذه الزاوية، تتكامل الرسائل المرتبطة بالهوية مع الدعوة إلى تعزيز الثقة في المؤسسات، وتحسين الخدمات، وتوسيع الفرص الاقتصادية والاجتماعية، باعتبارها عناصر تساعد على توطيد الارتباط بين المواطن ومؤسسات وطنه.

ثامناً: البرلمان أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية

اختتم الخطاب الملكي بالتأكيد على طبيعة الانتداب البرلماني باعتباره التزاماً سياسياً وتعاقداً أخلاقياً يربط المنتخبين بالمواطنين، مع التشديد على ضرورة تحمل المسؤولية الوطنية أمام الله والمواطنين والتاريخ.

وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة بالنظر إلى أن افتتاح السنة التشريعية الجديدة يمثل بداية مرحلة تتطلب من المؤسسة التشريعية مواكبة الأوراش الاقتصادية والاجتماعية ومناقشة الإصلاحات اللازمة، فضلاً عن الاضطلاع بأدوارها الدستورية في التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية.

ولا تنحصر مسؤولية البرلمان في المصادقة على النصوص القانونية، بل تشمل أيضاً التأكد من أن التشريعات تستجيب للحاجات الفعلية للمواطنين، وأن البرامج الحكومية تتضمن أهدافاً واضحة وآجالاً محددة ومؤشرات تسمح بتقييم نتائجها.

ومن الناحية العملية، يمكن ترجمة هذه المسؤولية إلى مجموعة من الأولويات:

تعزيز جودة التشريع من خلال دراسة الأثر الاقتصادي والاجتماعي للنصوص القانونية.

تكثيف مراقبة تنفيذ البرامج العمومية، وربط النتائج المعلنة بمؤشرات قابلة للتحقق.

تقوية التواصل بين المنتخبين والمواطنين، بما يسمح بنقل الانشغالات المحلية إلى النقاش المؤسساتي.

الاهتمام بالتفاوتات المجالية والفئات التي تواجه صعوبات في الولوج إلى الخدمات والفرص الاقتصادية.

تعزيز الشفافية في تتبع الالتزامات العمومية وتوضيح المسؤوليات عن التنفيذ والتأخر.
وتبقى فعالية هذه الأدوار مرتبطة بمدى قدرة المؤسسة التشريعية على تحويل التوجيهات العامة إلى عمل مؤسساتي منتظم، يتسم بالجدية والنجاعة والارتباط بالانتظارات المجتمعية.

تاسعاً: ماذا تكشف القراءات التحليلية عن أولويات المرحلة؟

تتيح مقارنة النّص الرّسمي بالقراءات المنشورة عقب الخطاب تحديد ثلاثة مستويات متكاملة لفهم رسائله.

المستوى الاستراتيجي: بناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود والتنافسية.

يتجلى هذا المستوى في التركيز على الأمن المائي والطاقي والغذائي، والتصنيع، والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تعزيز المخزونات الاستراتيجية وتأمين المواد الأساسية. وهي أولويات ترسم اتجاهاً نحو تقوية القدرات الإنتاجية وتقليص مواطن الهشاشة أمام التقلبات الخارجية.

المستوى الاجتماعي والمجالي: جعل التنمية أقرب إلى المواطن.

يتّضح ذلك في التشديد على تشغيل الشباب وتكافؤ الفرص والعدالة المجالية وتحسين الخدمات العمومية وتسريع الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري. وتبرز هنا ضرورة قياس النجاح بما يتحقق من فرص وخدمات ونتائج فعلية في مختلف الجهات.

المستوى المؤسساتي والدبلوماسي: ربط المسؤولية بالنتائج وتطوير الشراكات.

يظهر هذا المستوى في الدعوة إلى تحمل البرلمانيين مسؤولياتهم تجاه المواطنين، وفي التأكيد على تجديد التعاون مع إسبانيا على أساس المصالح المتبادلة واحترام السيادة. وهو ما يربط بين النجاعة الداخلية للمؤسسات وقدرة المملكة على الدفاع عن مصالحها في محيطها الدولي.

وفي قراءتها المنشورة على موقع Le12.ma، اعتبرت الباحثة فاطمة الزهراء عتاق أن الخطاب يجمع بين التأطير الاستراتيجي والتوجيه المؤسساتي والتواصل مع الفاعلين السياسيين والرأي العام، مشددة على ضرورة دراسة شروط تحويل التوجيهات إلى برامج قابلة للتقييم.

أمّا الإعلامي والباحث عبد الفتاح الصادقي، فقد ركز في مقاله بصحيفة «العلم» على التكامل بين الرسائل الداخلية والخارجية، رابطاً الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية بتأكيد استقلالية القرار الوطني وتجديد الشراكات الدولية.

وتقدّم هذه القراءات زوايا تفسيرية تساعد على فهم الخطاب، لكنها تظل اجتهادات تحليلية وليست بديلاً عن النص الرسمي أو دليلاً مستقلاً على تحقق النتائج المنتظرة.

عاشراً: التحديات العملية أمام تنزيل التوجيهات الملكية

على الرغم من وضوح الأولويات المعلنة، فإن الانتقال من التوجيهات إلى النتائج يطرح مجموعة من التحديات التي يتعين على المؤسسات المعنية التعامل معها.

أوّل هذه التحدّيات هو التنسيق بين السياسات العمومية، خصوصاً في القطاعات التي تتداخل فيها مسؤوليات عدة مؤسسات، مثل الماء والطاقة والاستثمار والتشغيل والتنمية الترابية.

ويتمثّل التحدي الثاني في تحديد المسؤوليات وآجال التنفيذ، لأن غياب توزيع واضح للاختصاصات قد يؤدي إلى تأخر المشاريع وتشتت الجهود وصعوبة تحديد أسباب التعثر.

أمّا التحدي الثالث فيتعلق بـتعبئة الموارد المالية والبشرية، إذ يتطلب تطوير القطاعات الاستراتيجية وتأهيل الخدمات العمومية استثمارات مستدامة وكفاءات متخصصة وقدرات إدارية قادرة على التنفيذ.

ويبرز التحدي الرابع في تقييم الأثر الاجتماعي والمجالي. فالحكم على نجاعة السياسات لا ينبغي أن يستند إلى حجم الاعتمادات المالية أو عدد المشاريع وحده، بل إلى مؤشرات مثل فرص الشغل المستحدثة، وتحسن الولوج إلى التعليم والصحة والماء، وتقليص الفوارق بين الجهات.

ويتمثّل التحدي الخامس في تعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات، من خلال التواصل المنتظم بشأن الالتزامات والنتائج، وتوضيح أسباب التأخر عند حدوثه، وإتاحة المعلومات التي تسمح بتقييم الأداء العمومي.

ومن شأن اعتماد مؤشرات دقيقة وآليات منتظمة للتتبع والتقييم أن يساعد على تحويل الأولويات المعلنة إلى برامج قابلة للمساءلة، مع مراعاة الاختلافات بين الجهات والقطاعات والقدرات المتاحة.

يرسم الخطاب الملكي السامي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة ملامح مرحلة تتداخل فيها رهانات الإقلاع الاقتصادي مع متطلبات العدالة الاجتماعية والمجالية، وتتعزز فيها أهمية الأمن الاستراتيجي والابتكار التكنولوجي وتمكين الشباب وتطوير الحكامة الترابية.

كما يبرز الخطاب أن بناء اقتصاد وطني صاعد لا ينفصل عن تحسين الخدمات العمومية وتوسيع فرص الاندماج الاقتصادي، وأن فعالية المؤسسات تقاس بقدرتها على الاستجابة لحاجات المواطنين وتحويل الالتزامات إلى نتائج ملموسة.

وعلى المستوى الخارجي، يجمع التوجه المعلن بين التمسك بالسيادة الوطنية والانفتاح على الشراكات الدولية القائمة على المصالح المتبادلة والتنمية المشتركة.

غير أن المعيار الحاسم لنجاح هذه التوجهات سيظل مرتبطاً بمدى ترجمتها إلى برامج محددة الأهداف، واضحة المسؤوليات، قابلة للتنفيذ والتقييم. فالمطلوب خلال المرحلة المقبلة ليس فقط تحديد الأولويات، وإنما ضمان التنسيق بين المؤسسات، وتسريع الإصلاحات، وقياس أثرها الفعلي على حياة المواطنين.

وبذلك، يضع الخطاب أمام البرلمان والحكومة والفاعلين الاقتصاديين والمؤسسات الترابية مسؤولية مشتركة عنوانها الانتقال من التوجيه الاستراتيجي إلى الإنجاز الميداني، ومن إعلان الأهداف إلى إثبات النتائج.