دخلت مؤسّسات الاتحاد الأوروبي على مسار التّحقيق في الدور الذي يُشتبه في أن منصات التواصل الاجتماعي أدته في موجة الهجرة الجماعية التي شهدتها مدينة سبتة نهاية يوليوز الماضي، وسط اهتمام خاص بمصدر الرسائل الرقمية التي دفعت أعدادا كبيرة من المغاربة إلى محاولة الوصول إلى المدينة.
وكشفت صحيفة «لا راثون» الإسبانية أن السلطات الأوروبية باشرت، بالتعاون مع منصتي «فيسبوك» و«تيك توك»، تتبع الحسابات والجهات التي تقف وراء نشر وترويج محتويات رقمية حثّت على التوجه نحو سبتة، في وقت تتزايد فيه الشبهات بشأن احتمال تجاوز الأمر مجرد تداول عفوي لمعلومات مضللة.
ويتركّز جانب من التّحقيق على رسائل انتشرت بوتيرة سريعة قبيل موجة التدفق، ومن أبرزها ادعاءات تفيد بأن الحدود والمعابر المؤدية إلى سبتة مفتوحة. وقد جرى تداول هذه المزاعم على نطاق واسع عبر شبكات التّواصل وتطبيقات الاتّصال، في سياق يُعتقد أنه أسهم في دفع أعداد كبيرة من الأشخاص إلى التحرك نحو المدينة.
وبحسب المعطيات التي أوردتها «لا راثون»، يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تكثيف مراقبة المحتوى المرتبط بأحداث سبتة، وتعزيز التعاون مع الجهات المتخصصة في التحقق من المعلومات، إلى جانب تقييم مدى التزام شركات التكنولوجيا بالتدابير الرامية إلى الحد من انتشار المحتويات المضللة.
ويبرز في هذا السّياق دور «ميتا»، المالكة لمنصّة فيسبوك، و«تيك توك»، باعتبارهما من بين المنصات التي شهدت انتشار محتويات مرتبطة بالدعوات إلى التوجه نحو سبتة.
وتنسجم هذه التّحرّكات مع تصريحات أدلى بها المفوض الأوروبي المكلف بالهجرة والشؤون الداخلية، ماغنوس برونر، خلال اجتماع استثنائي للجنة الحريات المدنية والعدل والشؤون الداخلية بالبرلمان الأوروبي، المنعقد في 6 غشت الجاري لمناقشة أحداث سبتة.
وأكّد برونر خلال الاجتماع أن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى تعزيز قدرته على رصد مسارات انتشار المعلومات المضللة عبر شبكات التواصل، مشددا على أهمية التنسيق مع وكالة الشرطة الأوروبية «يوروبول» وباقي الوكالات التابعة للاتحاد.
كما أوضح المسؤول الأوروبي أنّ التّواصل مع شركات التكنولوجيا سيستمر من خلال «منتدى الاتحاد الأوروبي للإنترنت»، مشيرا إلى أن الاجتماع المقبل للمنتدى، المقرر عقده في شتنبر، سيخصص حيزا لهذه القضية، بالتوازي مع تطبيق مقتضيات قانون الخدمات الرقمية الأوروبي المعروف اختصارا بـ«DSA».
ولا يقتصر البحث، وفق الصحيفة الإسبانية، على تحديد الحسابات التي نشرت الرسائل محل التحقيق، إذ يمتد أيضا إلى احتمال وجود وسطاء أو شبكات متخصصة شاركت في عملية التعبئة الرقمية.
وفي هذا الإطار، استندت «لا راثون» إلى تحليلات صادرة عن مراكز دولية متخصصة في تتبع المصادر المفتوحة، تفيد بأن تعبئة مجموعات من المهاجرين عبر المنصات الرقمية ربما لم تكن عملية عفوية، وإنما قد تكون تمت في إطار تخطيط وتنظيم سابقين. وتشير هذه التحليلات إلى احتمال وجود وسطاء وشبكات تستغل المعلومات المضللة للتأثير في حركة المهاجرين.
غير أنّ هذه الاستنتاجات لا تزال في نطاق التحليل والاشتباه، ولم يتم الإعلان، حتى الآن، عن نتائج تحقيق رسمي تحدد جهات بعينها باعتبارها المسؤولة عن هذه العملية.
وفي مداخلته أمام البرلمان الأوروبي، تحدث برونر أيضا عن الصلة المحتملة بين انتشار الرسائل الرقمية وشبكات تهريب البشر. وقال إن قرار المحكمة العليا الإسبانية المتعلق بإجراءات التعامل مع الوافدين إلى سبتة استُخدم عبر شبكات التواصل الاجتماعي لترويج تصور مضلل مفاده أن «إسبانيا مفتوحة للجميع»، مضيفا أن مهربين ومتاجرين بالبشر ساهموا في تغذية هذه الرسائل.
ويفتح هذا المسار الأوروبي للتّحقيق زاوية جديدة في ملف أحداث سبتة، بعدما كان التركيز منصبا أساسا على حجم التدفق البشري الكبير الذي وقع خلال فترة زمنية قصيرة. إذ بات الاهتمام موجها أيضا إلى الطّريقة التي تشكّلت بها التعبئة عبر الإنترنت، ومصادر الرّسائل التي حددت للمهاجرين مواعيد ومسارات، وروجت لفكرة سهولة الوصول إلى المدينة.
ويظل تحديد المصدر الأوّل لهذه المحتويات ومسار انتشارها عنصرا أساسيا في فهم طبيعة ما حدث. فإذا أثبت التحقيق وجود تنسيق مسبق وشبكات منظمة، فقد يعيد ذلك رسم صورة موجة الهجرة التي شهدتها سبتة؛ أما إذا تبين أن الأمر نتج أساسا عن الانتشار السريع لمعلومات مضللة دون تخطيط مركزي، فسيعزّز ذلك فرضية التفاعل الرقمي العفوي مع تلك الرسائل.








