قد يبدو الأمر متناقضا إلى حد يصعب معه تفسيره: خبر صادم، جنازة، موقف شديد الإحراج أو لحظة يسودها الخوف، وفجأة تظهر ابتسامة غير مرغوب فيها، أو تتسلل ضحكة يصعب كبحها.
في مثل هذه اللحظات، قد يكون أول ما يخطر في بال الشخص أنه يتصرف بطريقة غير لائقة، أو أن رد فعله يكشف عن برود في المشاعر. لكن ظهور الضحك في موقف لا يدعو إلى الضحك لا يعني بالضرورة أن صاحبه سعيد بما يحدث أو غير متأثر به.
في عدد من الحالات، يمكن أن يكون الأمر مرتبطا بالتوتر والقلق والاستثارة الانفعالية، فيما يعرف شائعا بـ«الضحك العصبي». وتوضح مصادر طبية أن القلق قد يؤدي لدى بعض الأشخاص إلى الضحك في مواقف شديدة الضغط، بما فيها مواقف الحزن أو الخوف.
حين لا يتطابق الضحك مع المشاعر
الضحك عادة ما يرتبط بالفرح أو الفكاهة، ولذلك يبدو ظهوره في لحظة خوف أو حزن أمرا غير مفهوم. غير أن التعبير الخارجي عن المشاعر لا يتطابق دائما بصورة كاملة مع الإحساس الداخلي.
فعندما يواجه الإنسان موقفا ضاغطا، تدخل أجهزة الجسم في استجابة للتوتر، وقد تظهر معها تغيرات جسدية وانفعالية مختلفة. وتشمل استجابة الضغط النفسي، من بين أمور أخرى، تغيرات في معدل ضربات القلب والتنفس وتوتر العضلات، وهي جزء من آليات الجسم الطبيعية للتعامل مع التحديات.
وفي هذا السياق، يمكن أن يظهر الضحك لدى بعض الأشخاص كجزء من طريقة تعاملهم مع الاستثارة والقلق. ولذلك فإن الشخص الذي يضحك في لحظة مؤلمة قد يكون، في الواقع، شديد التوتر وليس مستمتعا بالموقف.
لماذا يتحول التوتر أحيانا إلى ضحكة؟
لا توجد قاعدة واحدة تفسر جميع حالات الضحك العصبي، كما أن اختزال الظاهرة في مادة كيميائية أو منطقة محددة من الدماغ لا يعكس تعقيد الطريقة التي تتفاعل بها الانفعالات مع الجهاز العصبي.
فالضغط النفسي يؤثر في الجسم والذهن معا، وقد تظهر استجاباته في صورة سلوكيات أو تعبيرات لا يتوقعها الشخص نفسه. وتذهب بعض التفسيرات إلى أن الضحك في ظروف التوتر قد يساعد على تخفيف حدة الاستثارة، خصوصا عندما تكون المشاعر قوية أو متناقضة.
وتشير مصادر طبية إلى أن الضحك عموما يمكن أن يرتبط بتخفيف التوتر، كما أن الجسم ينتقل أثناء الهدوء من حالة الاستنفار المرتبطة باستجابة «الكر والفر» إلى حالة أكثر هدوءا. لكن هذا لا يعني أن كل ضحكة تظهر تحت الضغط تؤدي بالضرورة الوظيفة نفسها.
ضحكة لا تعكس ما يشعر به صاحبها
المشكلة لا تكون في الضحك نفسه بقدر ما تكون في الطريقة التي قد يفسر بها الآخرون هذا السلوك.
فابتسامة تظهر أثناء سماع خبر مؤلم قد تُفهم على أنها استهزاء، والضحك خلال نقاش متوتر قد يُقرأ على أنه عدم احترام، بينما قد يكون الشخص في داخله خائفا أو مرتبكا أو عاجزا عن معرفة الطريقة المناسبة للتفاعل مع الموقف.
لهذا السبب، فإن ظهور الضحك في موقف غير مناسب لا يكفي وحده للحكم على مشاعر الإنسان أو مستوى تعاطفه. وقد يكون مجرد تعبير تلقائي يصاحب حالة من القلق أو التوتر.
متى يصبح الأمر مختلفا؟
هنا ينبغي التمييز بين الضحك العصبي العابر وبين نوبات الضحك أو البكاء التي تحدث بصورة مفاجئة ومتكررة ولا تتناسب مع الحالة العاطفية للشخص.
فقد تكون هناك حالات عصبية معروفة، من بينها ما يسمى «التأثير البصلي الكاذب» (Pseudobulbar Affect)، حيث يعاني الشخص نوبات لا يستطيع التحكم فيها من الضحك أو البكاء، وقد لا تتوافق هذه الاستجابات مع مشاعره الفعلية أو مع طبيعة الموقف. وترتبط هذه الحالة عادة ببعض الأمراض أو الإصابات العصبية.
وتشير «مايو كلينك» إلى أن هذه الحالة قد تظهر لدى أشخاص يعانون بعض الاضطرابات أو الإصابات العصبية، من بينها السكتة الدماغية، والتصلب المتعدد، والتصلب الجانبي الضموري، وإصابات الدماغ وغيرها.
لذلك، فإن الضحك المتكرر الذي يصعب التحكم فيه، خصوصا عندما يظهر من دون سبب واضح أو يترافق مع أعراض عصبية أخرى، يختلف عن مجرد ضحكة عابرة أثناء موقف محرج أو شديد التوتر، ويستحق تقييما طبيا لتحديد السبب.
ماذا تفعل إذا باغتتك الضحكة في موقف حساس؟
أول خطوة هي عدم تحويل الموقف إلى محاكمة للذات. فإذا كنت تعرف أن التوتر يدفعك أحيانا إلى الابتسام أو الضحك، فإن إدراك طبيعة هذا التفاعل قد يساعدك على التعامل معه بهدوء أكبر.
وعند الشعور بأن الضحكة على وشك الظهور، يمكن محاولة تهدئة الاستثارة الجسدية من خلال التنفس ببطء وأخذ لحظة قصيرة لاستعادة التركيز. وإذا كان الموقف يسمح بذلك، يمكن الابتعاد لدقائق عن المكان حتى تستعيد قدرتك على التحكم في رد فعلك.
وفي حال فُهمت ابتسامتك بشكل خاطئ، قد يكون التوضيح المختصر أكثر فاعلية من الدخول في تبريرات مطولة. عبارة بسيطة من قبيل: «أعتذر، هذه استجابة تظهر لدي عندما أكون متوترا» قد تكون كافية لتوضيح أن الضحك لم يكن تعبيرا عن السخرية أو الفرح.
ليست كل ضحكة دليلا على الفرح
المفارقة التي تكشفها هذه الظاهرة هي أن السلوك الذي نربطه عادة بالسعادة قد يظهر أحيانا في لحظات يكون فيها الإنسان خائفا أو مرتبكا أو تحت ضغط شديد.
لذلك، فإن الضحك في موقف حزين أو محرج لا ينبغي أن يُقرأ تلقائيا باعتباره دليلا على قسوة القلب أو انعدام التعاطف. ففي بعض الحالات، يكون مجرد استجابة للتوتر، بينما تحتاج الحالات غير المعتادة أو المتكررة أو الخارجة عن السيطرة إلى تقييم متخصص.
والأهم أن التعبير الذي يظهر على الوجه لا يروي دائما القصة الكاملة لما يحدث في الداخل؛ فقد يضحك الإنسان في لحظة يكون فيها، paradoxically، أكثر توترا مما يبدو عليه.








