لم تُفضِ نتائج اقتراع 23 شتنبر إلى إسقاط الأغلبية السابقة حسابيا، لكنها أحدثت تحولا واضحا في موازين القوة بين مكوناتها. فقد انخفض مجموع مقاعد أحزاب الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال من 270 إلى 228 مقعدا، مع احتفاظها معا بأغلبية المقاعد، في وقت انتقلت فيه المرتبة الأولى من الحزب الذي قاد الحكومة إلى أحد حلفائه داخل الائتلاف.

ويكشف توزيع الخسائر عن تفاوت لافت بين الأحزاب الثلاثة. ففي الوقت الذي رفع فيه حزب الأصالة والمعاصرة رصيده من 87 إلى 97 مقعدا، تراجع التجمع الوطني للأحرار من 102 إلى 66 مقعدا، فيما انخفض رصيد حزب الاستقلال من 81 إلى 65 مقعدا. وبذلك تحمّل حزب رئاسة الحكومة النصيب الأكبر من التراجع، بينما تمكن “البام” من تعزيز تمثيليته رغم مشاركته في تدبير الولاية الحكومية المنتهية.

ويرتبط تفسير هذه النتائج، وفق المعطيات التي تفرزها الخريطة الجديدة، بطبيعة المواقع التي شغلها كل حزب داخل الجهاز التنفيذي. فالتجمع الوطني للأحرار لم يكن شريكا عاديا في الأغلبية، بل قاد الحكومة، وهو ما وضعه في واجهة القرارات الحكومية والوعود السياسية والانتظارات الاجتماعية طيلة الولاية. أما الأصالة والمعاصرة والاستقلال، فقد شاركا بدورهما في التدبير الحكومي وتوليا قطاعات وزارية مهمة، لكنهما لم يتحملا الثقل الرمزي والسياسي نفسه المرتبط برئاسة الحكومة.

ولا تبدو المسؤولية الحكومية وحدها كافية لتفسير الفوارق في النتائج، إذ تتداخل معها عوامل أخرى، من بينها حضور المرشحين، وقوة الشبكات الانتخابية داخل الدوائر، وقدرة كل حزب على تقديم صورته السياسية بصورة منفصلة عن الحصيلة المشتركة للأغلبية.

الأحرار أمام كلفة قيادة الحكومة

دخل التجمع الوطني للأحرار الاستحقاق الانتخابي في وضعية تجمع بين استمرار المسؤولية الحكومية بقيادة عزيز أخنوش وانتقال قيادة الحزب إلى محمد شوكي. غير أن هذا الفصل التنظيمي لم يلغ الارتباط السياسي بين الحزب والحصيلة الحكومية للولاية، خاصة أن البرنامج الانتخابي الجديد قُدم في سياق الدفاع عن استمرارية الأوراش والإصلاحات التي أطلقتها الحكومة خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2026.

وجرى الاقتراع في ظل نقاش عمومي ركّز بدرجة كبيرة على القدرة الشرائية والتشغيل وجودة الخدمات الاجتماعية، وهي ملفات ارتبطت بشكل مباشر بالحكومة التي كان يقودها التجمع الوطني للأحرار. ولا تعني خسارة الحزب للمقاعد أن جميع هذه الخسائر كانت نتيجة تصويت عقابي مباشر على الحصيلة الحكومية، غير أن موقعه في رئاسة الحكومة جعله الطرف الأكثر تعرضا لتحمل تبعات الانتظارات الاجتماعية التي لم ير جزء من الناخبين أنها تحققت بالشكل المنتظر.

وتبرز بعض الدوائر حجم هذا التراجع بصورة أوضح. ففي عمالة مراكش، خسر التجمع الوطني للأحرار المقاعد الثلاثة التي كان يشغلها، بينما توزعت المقاعد التسعة بين الأصالة والمعاصرة والاستقلال والعدالة والتنمية، بواقع ثلاثة مقاعد لكل حزب. كما فقد الحزب مقعده في دائرة الرباط المحيط، بعدما كان حاضرا فيها خلال الولاية السابقة، بما يعكس امتداد التراجع إلى عدد من المواقع الحضرية التي كان ممثلا فيها سنة 2021.

“البام” يعزّز موقعه داخل الأغلبية

في المقابل، خاض الأصالة والمعاصرة الانتخابات دون الانفصال عن مسؤوليته الحكومية، إذ سبق لقيادته أن أكّدت تحمّل الحزب لمسؤوليته داخل الائتلاف، بالتزامن مع إعلان طموحه في تصدر النتائج.

وقد منح هذا التموضع الحزب إمكانية الجمع بين الدفاع عن مشاركته في التدبير الحكومي وتقديم نفسه انتخابيا باعتباره حزبا مستقلا في هويته السياسية عن التجمع الوطني للأحرار، الذي ظل بحكم قيادته للحكومة في الواجهة الأولى للحصيلة الحكومية.

كما استفاد الحزب من تجربة القيادة الجماعية التي اعتمدها منذ مؤتمره الخامس سنة 2024، إلى جانب تنظيماته المحلية والجهوية، ودفع بعدد من الوجوه القيادية والوزارية للمنافسة في دوائرها الانتخابية.

وانعكس ذلك في نتائج عدد من الأسماء، إذ فازت فاطمة الزهراء المنصوري في مراكش، وعبد اللطيف وهبي في تارودانت الشمالية، وأديب بن إبراهيم في الرباط شالة، فيما تصدر المهدي بنسعيد دائرة الرباط المحيط.

وتشير هذه المعطيات إلى اجتماع عامليْن في أداء الحزب الانتخابي: حضور شخصياته الوطنية داخل دوائرها، واستمرار فعالية ترشيحاته وشبكاته المحلية، فضلا عن هامش التمايز الذي وفره له عدم توليه رئاسة الحكومة.

الاستقلال يخسر مقاعد ويحتفظ بهامش للمناورة

بدوره، سجّل حزب الاستقلال تراجعا في حصيلته، بعدما فقد 16 مقعدا مقارنة بالنتائج السابقة، ولم يتمكن من تحقيق هدف المنافسة على المرتبة الأولى. إلا أن حجم تراجعه ظل دون الانكماش الذي عرفه التجمع الوطني للأحرار.

ويأتي ذلك في سياق مشاركة الحزب في الحكومة من موقع الشريك غير القائد، ودون توليه القطاعات الوزارية المرتبطة مباشرة بأكثر الملفات الاجتماعية حساسية، ومنها الصحة والتعليم والتشغيل، وهو ما قد يكون حد من مستوى تعرضه المباشر للمساءلة الانتخابية، من دون أن يفصله كليا عن تبعات المشاركة في تدبير الولاية الحكومية.

وعلى المستوى المحلي، احتفظ الحزب بقدر من القوة الانتخابية في عدد من معاقله. فقد تصدرت لائحة نزار بركة النتائج في العرائش، فيما جاء الاستقلال ثانيا في بركان، كما حافظ على مقعده في طنجة، وهي نتائج تعكس استمرار حضور بعض قواعد الحزب ومرشحيه رغم التراجع المسجل على المستوى الوطني.

“الميزان” في قلب الحسابات المقبلة

وتمنح النتائج الجديدة حزب الاستقلال وزنا سياسيا يتجاوز دلالة احتلاله المرتبة الثالثة، إذ لم يعد يفصله عن التجمع الوطني للأحرار سوى مقعد واحد.

وفي الحسابات العددية، يصل مجموع مقاعد الأصالة والمعاصرة والاستقلال إلى 162 مقعدا، ما يعني أن الحزبين يحتاجان إلى 36 مقعدا إضافيا لبلوغ الأغلبية. ويضع هذا المعطى حزب الاستقلال في موقع شريك أساسي في مفاوضات تشكيل الحكومة المقبلة، مع بقاء أكثر من صيغة تحالف ممكنة، وهو ما يجعل دوره محوريا في المشاورات دون أن يمنحه، وفق الأرقام وحدها، إمكانية احتكار موقع الحزب الحاسم.