مع توجّه المغاربة إلى صناديق الاقتراع، دخلت مدينتا سبتة ومليلية مرحلة أمنية مشددة، بعدما رفعت السلطات الإسبانية مستوى اليقظة وعززت حضور الشرطة والحرس المدني ووسائل المراقبة الجوية، بالتوازي مع انتشار أمني مغربي مكثف بالقرب من سبتة.

ولا تتعامل مدريد مع الانتخابات المغربية باعتبارها تهديدًا مباشرًا، غير أنها وضعتها ضمن السياق الذي يمكن أن تستغله دعوات منتشرة عبر شبكات التواصل الاجتماعي، تحدثت عن إمكانية تنفيذ عبور جماعي نحو المدينتين، استنادًا إلى فرضية انشغال القوات المغربية بتأمين العملية الانتخابية.

ويأتي هذا التحرّك في أعقاب سلسلة من الإنذارات الأمنية التي توصلت بها السلطات الإسبانية منذ أزمة يوليوز، وفي وقت كثفت فيه الرباط ومدريد اتصالاتهما بشأن أمن الحدود. وكان وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، قد تحدث عن اتصالات شبه يومية مع نظيره المغربي ناصر بوريطة، وعن ضمانات قدمتها الرباط لاتخاذ الإجراءات اللازمة للحيلولة دون تكرار محاولة عبور جماعي.

ولم يكن الرّبط بين المواعيد الوطنية والسياسية في المغرب واحتمال تحرك جماعي نحو سبتة ومليلية جديدًا. فقد أظهرت وثائق نشرتها الحكومة الإسبانية بشأن أزمة يوليوز وجود دعوات رقمية سابقة حددت يوم 30 يوليوز موعدًا للتوجه إلى سبتة، انطلاقًا من اعتقاد بأن انشغال القوات المغربية باحتفالات عيد العرش قد يتيح هامشًا للتحرك.

وفي 29 يوليوز، نقل مركز الاستخبارات الإسباني إلى جهات مغربية، إضافة إلى مندوبية الحكومة والحرس المدني في سبتة، معلومات حول دعوات للعبور برًا وبحرًا في اليوم التالي. إلا أن السلطات الإسبانية أقرت لاحقًا بأن تلك التحذيرات رصدت وجود الدعوات، من دون أن تتمكن من تقدير حجم التحرك الذي ستفضي إليه.

وتشير المعطيات التي نقلتها صحيفة «إلباييس» عن مصادر بوزارة الداخلية الإسبانية إلى أن إنذار 23 شتنبر كان السادس منذ أزمة نهاية يوليوز. وسبقت هذا الموعد تحذيرات مرتبطة بأيام 8 و9 و12 و15 غشت، ثم 20 شتنبر.

ولا تعني هذه السلسلة أن ست محاولات فعلية للعبور وقعت خلال تلك الفترة، إذ لم تشهد المواعيد الثلاثة الأولى تحركات بارزة على الحدود، في حين تمكن مئات الأشخاص من التجمع في 15 غشت قبل أن تتدخل القوات المغربية لمنعهم من الوصول إلى سبتة.

وعلى المستوى العملياتي، عززت إسبانيا حضورها الأمني في سبتة بإرسال 75 عنصرًا من وحدات التدخل الشرطي، إلى جانب رفع مستوى انتشار الحرس المدني ووحداته المتخصصة، مع دعم إجراءات المراقبة الجوية.

وفي الجانب المغربي، تزامنت هذه الإجراءات مع انتشار أمني مكثّف بمحاذاة الحدود، بهدف منع تجمعات محتملة من الوصول إلى محيط المعابر.

وبذلك اتّسع نطاق الاستعداد الإسباني ليشمل أكثر من مجرد مراقبة الدعوات المنشورة على الإنترنت، إذ جمع بين تعزيز الوحدات الميدانية، وتكثيف الرصد، والتنسيق مع الجانب المغربي، والتحرك لمواجهة الرسائل التي روجت لإمكانية دخول مهاجرين إلى إسبانيا والبقاء فيها.

وتكشف التطورات الأخيرة عن تغير في طريقة التعامل مع الإنذارات الرقمية. فبعد أزمة يوليوز، لم يعد رصد الدعوة وتبادل المعلومات بشأنها هو الإجراء الوحيد، بل أصبحت السلطات الإسبانية تستعد ميدانيًا للموعد الذي تحدده تلك الدعوات، مع فتح قنوات اتصال سياسية وأمنية موازية.

ومع ذلك، لا توفر هذه المعطيات دليلًا على أن القوات المغربية تخفض انتشارها خلال المناسبات السياسية، كما لا تثبت امتلاك الجهات التي تقف وراء الدعوات الرقمية معلومات دقيقة حول توزيع القوات الأمنية. لكن تداول مثل هذه الفرضيات قد يمنح الدعوات قدرة إضافية على استقطاب الراغبين في الهجرة، عبر خلق انطباع بوجود فرصة مؤقتة للعبور.

ومن هذه الزاوية، أصبحت المواعيد السياسية والوطنية المغربية جزءًا من عملية تقدير المخاطر لدى السلطات الإسبانية، ليس باعتبارها سببًا مباشرًا لحركات الهجرة، وإنما باعتبارها مناسبات قد تُستخدم لبناء سردية حول احتمال تغير الوضع الأمني على الحدود.

ويظل الدور المغربي عنصرًا أساسيًا في احتواء أي تحرك محتمل، خصوصًا أن منع التجمعات من الاقتراب من المعابر يخفف الضغط عن وحدات الشرطة والحرس المدني المنتشرة داخل سبتة ومليلية.

ولهذا، فإن الإجراءات الإسبانية لا تشكل بديلًا عن التنسيق مع الرباط، بل تعتمد عليه في جانب مهم من فعاليتها. وقد انعكس ذلك في الاتصالات شبه اليومية التي تحدث عنها ألباريس، وفي الضمانات التي قال إن المغرب قدمها بشأن اتخاذ التدابير اللازمة لمنع عبور جماعي جديد.

لكن المعطيات المتوفرة لا تسمح، في المقابل، بالقول إن الطرفين أرسيا بروتوكولًا أمنيًا جديدًا أو آلية دائمة للتعامل مع هذه الإنذارات، في ظل غياب وثيقة رسمية منشورة تحدد طبيعة هذه الآلية وصلاحيات الأطراف المشاركة فيها.

وتبقى قدرة السلطات على تقدير حجم الخطر واحدة من أبرز التحديات التي تفرضها الدعوات المنتشرة على المنصات الرقمية. فليس لكل دعوة التأثير نفسه، وقد تمر مواعيد محددة من دون تسجيل أي تحرك مهم، بينما يمكن لدعوة أخرى أن تتحول خلال فترة وجيزة إلى تجمع على الأرض.

وتضع هذه الوضعية الأجهزة الأمنية أمام معادلة دقيقة: ضرورة عدم التقليل من شأن تهديد محتمل، مقابل تفادي استنزاف الموارد البشرية واللوجستية نتيجة رفع مستوى التأهب عند كل دعوة أو موعد يجري تداوله عبر شبكات التواصل.

كما أنّ مرور موعد شتنبر من دون أزمة مماثلة لتلك التي شهدتها سبتة في يوليوز لن يكون، بمفرده، دليلًا حاسمًا على نجاح نموذج أمني دائم. فقد يكون ذلك مرتبطًا بالتنسيق والانتشار المسبق، كما قد يعكس ببساطة محدودية استجابة الراغبين في الهجرة للدعوات المتداولة.

والمؤكّد، وفق المعطيات المتاحة، هو أن مدريد تعاملت مع إنذار شتنبر بمنهج أكثر استباقية، من خلال الجمع بين المراقبة المسبقة، والتعزيزات الأمنية، والتنسيق الدبلوماسي، والتصدي للمعلومات المضللة. أما ما إذا كان هذا الأسلوب سيتحول إلى آلية مستقرة في إدارة الحدود، فسيظل مرتبطًا بكيفية تعامل السلطات مع الإنذارات والتحركات التي قد تظهر خلال المواعيد المقبلة.