تستعد المملكة المغربية والجمهورية الفرنسية لفتح صفحة جديدة في مسار علاقاتهما الثّنائية عبر مشروع معاهدة استراتيجية مرتقبة يُنتظر أن تشكّل إطاراً مرجعياً للعلاقات بين البلديْن خلال العقود المقبلة، في خطوة تعكس رغبة مشتركة في الانتقال من منطق العلاقات التّقليدية إلى نموذج شراكة أكثر اتّساعاً وتوازناً.
وبحسب معطيات متداولة من مصادر فرنسية، فإنّ الوثيقة التي يجري إعدادها حالياً من قبل مسؤولين وخبراء من الجانبيْن، من المنتظر أن تُتوَّج بتوقيع رسمي خلال زيارة دولة مرتقبة للعاهل المغربي الملك محمد السادس إلى فرنسا قبل نهاية العام الجاري، ما سيمنح العلاقات الثّنائية بُعداً جديداً يتجاوز المرجعيّات التي حكمت التّعاون المغربي الفرنسي منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي.
استثمارات وتعاون صناعي واسع النّطاق
في الجانب الاقتصادي، تركّز الرّؤية الجديدة على تعزيز الحضور الاستثماري الفرنسي داخل المغرب، من خلال دعم مشاريع صناعية متقدّمة ونقل الخبرات والتّكنولوجيا إلى عدد من القطاعات الحيوية، من بينها صناعة السيّارات والنّقل السّككي والصّناعات البحرية، فضلاً عن مجالات ترتبط بالتّقنيات المتقدّمة والتّصنيع الدّفاعي.
وفي المقابل، يُرتقب أن تستفيد الشّركات الفرنسية من فرص أوسع للمشاركة في مشاريع استراتيجية بالمملكة، خاصّةً في مجالات البنية التّحتية والطّاقة المتجدّدة وتطوير شبكات النّقل، بما يعزّز موقعها داخل السّوق المغربية التي تشهد تنافساً متزايداً من فاعلين دوليين.
تعاون دفاعي يتّجه نحو التّصنيع المشترك
وتبرز الملفّات الدّفاعية ضمن أبرز محاور المعاهدة المرتقبة، إذ تشير المعطيات المتاحة إلى توجّه نحو توسيع التّعاون العسكري بين البلديْن ليشمل نقل خبرات وتقنيّات صناعية متخصّصة، بما يدعم طموح المغرب إلى تطوير قدراته الإنتاجية في المجال الدّفاعي.
كما تشمل التّصوّرات المطروحة تعزيز برامج التّكوين والتّدريب العسكري المشترك، وتكثيف التّنسيق الأمني والاستخباراتي لمواجهة التّحدّيات الإقليمية والتّهديدات العابرة للحدود، في إطار شراكة أمنية أكثر عمقاً بين الرباط وباريس.
الثّقافة والتّعليم في صلب التّفاهمات الجديدة
ويمثّل البعد الثّقافي والتّعليمي أحد أكثر الملفّات حساسية داخل مشروع الاتّفاق، حيث تسعى فرنسا إلى المحافظة على مكانة اللّغة الفرنسية داخل المنظومة التّعليمية والاقتصادية المغربية، مع دعم برامج التّبادل الأكاديمي وتوسيع فرص ولوج الطّلبة المغاربة إلى مؤسّسات التّعليم العالي الفرنسية.
وفي الوقت نفسه، يبدو أنّ المقاربة المغربية تقوم على تعزيز الانفتاح اللّغوي والتّعليمي دون حصره في فضاء لغوي واحد، بما ينسجم مع توجّه المملكة نحو تنويع شراكاتها الدّولية وتوسيع حضور اللّغات الأجنبية داخل منظومة التّكوين والتّعليم.
كما تتضمّن المقترحات المطروحة دعم المؤسّسات الثّقافية والتّعليمية الفرنسية بالمغرب وتطوير آليات التّعاون الثّقافي بين البلديْن، بهدف الحفاظ على الرّوابط التّاريخية والإنسانية التي تجمع المجتمعيْن المغربي والفرنسي.
دعم سياسي وتنسيق دبلوماسي موسّع
على المستوى السّياسي، تتّجه باريس إلى تعزيز دعمها للمواقف المغربية داخل المؤسّسات الدّولية والأوروبية، خاصّةً في القضايا التي تعتبرها الرباط ذات أولوية استراتيجية، مع توسيع مجالات التّنسيق الدّبلوماسي بشأن الملفّات الإقليمية والدّولية ذات الاهتمام المشترك.
كما تتضمّن النّقاشات الجارية ملفّات ذات طابع تاريخي، من بينها إمكانية توسيع نطاق الوصول إلى بعض الأرشيفات المرتبطة بفترة الاستعمار، في خطوة من شأنها المساهمة في تعزيز الثّقة المتبادلة ومعالجة عدد من القضايا العالقة بين البلديْن.
إفريقيا.. فضاء جديد للتّكامل
وتراهن فرنسا على الاستفادة من الحضور الاقتصادي والمؤسّساتي المتنامي للمغرب داخل دول غرب إفريقيا، عبر تطوير صيغ تعاون ثلاثية تسمح بتنفيذ مشاريع مشتركة في المنطقة.
ويُنظر إلى هذا التّوجّه باعتباره فرصة لتعزيز التّكامل بين الخبرة الفرنسية والتّموقع المغربي داخل الأسواق الإفريقية، خصوصاً في ظل التّحوّلات الجيوسياسية والاقتصادية التي تشهدها القارّة خلال السّنوات الأخيرة.
وفي حال دخول هذه المعاهدة حيّز التّنفيذ، فإنّها قد تشكّل أحد أبرز التّحوّلات في تاريخ العلاقات المغربية الفرنسية الحديثة، عبر إرساء نموذج شراكة يقوم على المصالح الاستراتيجية المتبادلة والتّعاون متعدّد الأبعاد، مع الحفاظ على استقلالية القرار السّياسي لكل طرف وتعزيز حضورهما المشترك في الفضاءيْن المتوسّطي والإفريقي.




