تواجه الحكومة الفرنسية مرحلة جديدة من التوتر الاجتماعي والسياسي، على خلفية أعمال العنف والتخريب التي رافقت الاحتجاجات الأخيرة ضد ارتفاع تكاليف المعيشة، في وقت تتجه فيه السلطات إلى تشديد الإجراءات الأمنية، وسط ضغوط متزايدة لاحتواء الغضب الشعبي والاستجابة للمطالب الاجتماعية.
وفي خضم هذه التطورات، شدّد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الأربعاء، على ضرورة التعامل بحزم مع المتورطين في أعمال الشغب، مؤكدا، خلال زيارته للعاصمة القطرية الدوحة، أن الدولة مطالبة بتطبيق القانون دون تهاون. كما أعلن عن اجتماع مرتقب الخميس، بمشاركة رئيس الوزراء والمسؤولين الحكوميين المعنيين والأجهزة الاستخباراتية، لتقييم الوضع الأمني ومناقشة تداعيات الأحداث الأخيرة.
واعتبر ماكرون أن التدابير التي اتخذتها السلطات منذ بداية الأسبوع ساهمت في استعادة قدر من الهدوء، مشيرا إلى أن الوضع لم يصل، حتى الآن، إلى مستوى يستوجب إعلان حالة الطوارئ، رغم استمرار القيود الأمنية في عدد من المناطق الفرنسية.
وتأتي هذه المواقف في أعقاب موجة من المواجهات وعمليات النهب وإحراق الممتلكات العامة التي شهدتها عدة مدن خلال احتجاجات السبت الماضي، والتي أثارت مخاوف بشأن اتساع نطاق الاضطرابات، خصوصا مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية. كما دفعت التطورات دولا، من بينها الولايات المتحدة والصين وألمانيا، إلى دعوة مواطنيها الموجودين في فرنسا إلى توخي الحذر.
وفي مواجهة الانتقادات بشأن استمرار جولته الخليجية رغم تصاعد الاضطرابات الداخلية، دافع ماكرون عن التزامه ببرنامج الزيارة، معتبرا أن التحركات الدبلوماسية تخدم مصالح فرنسا، ولا سيما في الملفات المرتبطة بأمن إمدادات الطاقة. وفي المقابل، انتقد تصريحات صدرت عن مسؤولين أجانب، من بينهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، دون أن يقدم، وفق المعطيات الواردة، أدلة على تدخل خارجي مباشر في الأحداث، مكتفيا بالتحذير من محاولات التأثير في الرأي العام عبر المعلومات المضللة.
وعلى المستوى السياسي، تتسع دائرة الانتقادات الموجهة إلى السلطة التنفيذية، إذ اعتبر الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند أن الحكومة تعاني الضعف، ووصف ماكرون بأنه رئيس غائب عن المشهد. كما انتقد رئيس الوزراء السابق إدوارد فيليب استمرار الجولة الخليجية في ظل الأزمة، بينما ذهبت مارين لوبن، مرشحة حزب التجمع الوطني، إلى اعتبار أن السلطات فقدت القدرة على التحكم في الوضع.
وفي مسعى لاحتواء الاحتقان، أجرى رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، الأربعاء، مباحثات استمرت ساعتين ونصف الساعة مع ممثلي أكبر خمس نقابات في البلاد، تناولت سبل حماية حق التظاهر والحيلولة دون تكرار أعمال العنف. غير أن اللقاء لم يفض، بحسب الأمينة العامة للكونفدرالية العامة للعمل، صوفي بينيت، إلى تدابير عملية تستجيب للمطالب الاجتماعية، ما دفعها إلى الدعوة لتوسيع التحركات نحو الإضراب ابتداء من 5 نونبر المقبل، بالتزامن مع احتجاجات سبق الإعلان عنها.
وتتركّز مطالب المحتجين على تحسين القدرة الشرائية والتخفيف من تأثير ارتفاع أسعار الوقود، إلى جانب ملفات مرتبطة بقطاع التعليم، تشمل توفير المدرسين وتحسين ظروف الدراسة وإصلاح المؤسسات التعليمية ومراجعة منصة «باركور سوب» المعتمدة للولوج إلى التعليم العالي.
وفي هذا السّياق، تعهد لوكورنو بالإعلان عن خطوات أولية مطلع الأسبوع المقبل، مع تقديم مقترحات تتصل بالميزانية والأسعار أمام البرلمان، وإمكانية إدراج تدابير إضافية خلال المناقشات المالية المرتقبة في دجنبر.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاجتماعي، بل تمتد إلى الوضع المالي للبلاد، في ظل تصاعد المخاوف المرتبطة بارتفاع الدين العام وقدرة الحكومة على ضبط الإنفاق. وقد تجاوز العائد على السندات الحكومية الفرنسية لأجل عشر سنوات مستوى 5 في المائة لفترة وجيزة، الأربعاء، مسجلا أعلى مستوى له منذ سنة 2002، وفق المعطيات الواردة، في مؤشر على تنامي الضغوط في الأسواق المالية.
وبالتّوازي مع ذلك، يستعد رئيس الوزراء لعقد لقاءات مع ممثلي الأحزاب السياسية، الخميس، لبحث التدابير الكفيلة بضمان أمن المظاهرات والحملة الانتخابية الرئاسية. كما صادقت لجنة في مجلس الشيوخ على مشروع قانون يقضي بتحميل المشاركين في أعمال الشغب مسؤولية مدنية جماعية عن الأضرار، وهو مقترح أثار اعتراضات من قوى اليسار.
قضائيا، أفادت النيابة العامة في باريس بأن 300 شخص من أصل 557 وُضعوا رهن الحبس الاحتياطي مثلوا أمام القضاء، مشيرة إلى أن أيا منهم لم يعلن أن دوافعه كانت سياسية، وفق التصريحات المنقولة في الخبر.
وفي إطار التدابير الرامية إلى الحد من تجدد الاضطرابات، قررت السلطات تمديد حظر التجول الليلي في وسط مدينة مرسيليا إلى غاية الجمعة على الأقل، مع فرض إجراء مماثل في وسط تولوز من الخميس إلى الأحد.
وبين التّشدّد الأمني وتزايد الدعوات إلى الإضراب، تجد الحكومة الفرنسية نفسها أمام اختبار صعب يجمع بين الحفاظ على النظام العام واحتواء الغضب الاجتماعي. ويبقى مسار الأزمة رهينا بقدرة السلطات على الحد من أعمال العنف، وتقديم استجابات ملموسة للمطالب المعيشية، في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية والمالية مع اقتراب الاستحقاق الرئاسي.
