لم تكن صحراء المغرب في فيلم «صِراط» مجرد خلفية واسعة تتحرك فوقها الشاحنات والشخصيات، بل تحولت تدريجياً إلى عنصر سردي قائم بذاته، يفرض إيقاعه على الصورة والشخصيات والحكاية. ففي العمل الذي أخرجه الفرنسي-الإسباني أوليفر لاكس، تبدو الصحراء وكأنها شخصية أخرى لا تتحدث، لكنها تتحكم في كل شيء: في المسافة، والخوف، والضياع، والصمت، وحتى في قدرة الإنسان على الاستمرار.
الفيلم، الذي عُرض في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي سنة 2025، يتابع أباً يؤدي دوره سيرجي لوبيز وابنه أثناء بحثهما عن فتاة مفقودة، قبل أن تقودهما الرحلة إلى عالم من الحفلات الموسيقية المقامة في مناطق نائية من جنوب المغرب. وقد حصل «صِراط» على جائزة لجنة التحكيم مناصفة في مهرجان كان، في واحدة من أبرز محطات مساره الدولي.
عندما لا تكون الصحراء مجرد مكان
اختيار المغرب لم يكن قراراً تقنياً فرضته طبيعة القصة، بل يبدو مرتبطاً بعلاقة قديمة تجمع لاكس بالمملكة. فقد عاش المخرج في المغرب لسنوات، وصوّر فيه أعمالاً سابقة، من بينها فيلمه «Mimosas» الذي استفاد بدوره من تضاريس جبال الأطلس. وفي حديثه عن «صِراط»، أكد لاكس أن المغرب كان مهماً جداً بالنسبة إلى المشروع، وهو ما يفسر الحضور الطاغي للمكان في الفيلم.
بالنسبة إلى المخرج، لا تبدو الصحراء مساحة فارغة تنتظر أن تملأها الكاميرا، بل فضاء قادر على فرض منطقه الخاص على الفيلم. وقد وصف لاكس الجبل باعتباره فضاءً يجعل الإنسان يشعر بصغره وهشاشته، فيما رأى في الصحراء مجالاً أكثر تجريداً وتأملاً، وهو تصور انعكس بوضوح على اللغة البصرية للعمل.
وهنا تكمن إحدى نقاط قوة «صِراط»: فكلما اتسعت الصحراء في الصورة، بدا الإنسان أصغر وأكثر هشاشة. وكلما ابتعدت الشخصيات داخل ذلك الامتداد، تراجعت قدرتها على التحكم في مصيرها.

حكاية تبدأ بالبحث وتنتهي بمواجهة الذات
تدور القصة حول أب وابنه يصلان إلى إحدى حفلات الموسيقى الإلكترونية في منطقة جبلية نائية جنوب المغرب، بحثاً عن فتاة اختفت قبل أشهر. وبينما يوزعان صورتها على المشاركين، يتبعان مجموعة من محبي موسيقى الـ«رِيف» المتجهين إلى حفلة أخيرة في عمق الصحراء.
لكن الرحلة التي تبدو في ظاهرها بحثاً عن شخص مفقود، تتحول تدريجياً إلى اختبار داخلي للشخصيات. فكلما تعمقت الرحلة في الصحراء، تراجعت الحدود بين البحث الخارجي والبحث الداخلي، وأصبح الطريق نفسه جزءاً من السؤال الذي يطرحه الفيلم حول الفقدان والخوف والموت والقدرة على مواجهة المجهول.
ومن هنا جاء عنوان الفيلم «Sirât»، وهو اسم يرتبط في الثقافة الإسلامية بمفهوم الصراط، في إحالة تمنح الرحلة معنى يتجاوز الجغرافيا والحدث المباشر. وتصبح الصحراء، بهذه القراءة، أشبه بممر تختبر فيه الشخصيات حدودها النفسية والجسدية.
صحراء المغرب صنعت شكل الفيلم
من الصعب فصل الصورة السينمائية في «صِراط» عن الظروف التي صُور فيها الفيلم. فقد جرت عمليات التصوير في المغرب وإسبانيا، وانتقل فريق العمل إلى مواقع قرب الرشيدية والريصاني، حيث واجه ظروفاً مناخية قاسية خلال التصوير. وتشير تقارير عن كواليس الإنتاج إلى أن التصوير في المغرب جرى وسط حرارة شديدة وعواصف رملية أثرت حتى في المعدات.
وفي إحدى المقابلات، تحدث لاكس عن التصوير خلال فصل الصيف، وعن درجات حرارة وصلت إلى نحو 45 درجة، بينما أشار إلى أن بعض أفراد الطاقم عاشوا في مخيمات وسط الجبال أو الصحراء خلال فترات من العمل. بالنسبة إليه، لم تكن تلك الظروف مجرد عقبات إنتاجية، بل انعكست على ما يظهر في الشاشة.
وتسببت العواصف الرملية بالفعل في مشكلات تقنية، بعدما وصلت الرمال إلى العدسات وأجبرت الفريق على إعادة تصوير بعض المشاهد. كما كان التصوير بكاميرات «Super 16» جزءاً من الاختيار الجمالي للفيلم، مانحاً الصورة حبيبات وملمساً بصرياً ينسجمان مع قسوة المكان.
وهكذا لم يكن الهدف تصوير صحراء «جميلة» بالمعنى السياحي التقليدي، بل نقل إحساسها الفيزيائي: الحرارة، والغبار، والاتساع، والخطر، والفراغ.

عندما تتحول الطبيعة إلى شريك في الإخراج
يبدو أن المواقع الطبيعية لم تكن دائماً منفذة لما كُتب مسبقاً في السيناريو، بل أثرت هي نفسها في الفيلم. فقد تحدث لاكس عن الطريقة التي يمكن للمكان أن يغير بها تصور المخرج للمشهد والحكاية، مشيراً إلى أن علاقته بالطبيعة تقوم على الوصول إلى المكان والشعور به ثم التكيف معه.
هذه العلاقة تفسر لماذا تبدو تضاريس «صِراط» حاضرة بقوة في البناء الدرامي. الجبال لا تؤدي وظيفة جمالية فقط، والصحراء ليست مجرد خلفية، والطريق ليس مجرد وسيلة للانتقال من مشهد إلى آخر. كل هذه العناصر تعمل معاً لتقليص مساحة السيطرة التي يملكها الإنسان على محيطه.
ولهذا تبدو الشاحنات وهي تتحرك في المساحات المفتوحة وكأنها أجسام صغيرة وسط عالم أكبر منها بكثير. وتصبح المسافة نفسها مصدراً للتوتر، بينما يتحول الأفق المفتوح إلى مساحة لا تمنح الشخصيات بالضرورة شعوراً بالحرية.
الموسيقى الإلكترونية في قلب الصحراء
ومن أكثر عناصر الفيلم إثارة للاهتمام وضع موسيقى الـ«رِيف» الإلكترونية الصاخبة في مواجهة فضاء صحراوي شديد السكون. فالمشهد الذي يجمع مكبرات الصوت والرقص والأضواء وسط الطبيعة القاسية يخلق تناقضاً بصرياً وسمعياً واضحاً.
هذا التناقض ليس مجرد اختيار جمالي، إذ تستعمل الموسيقى لتغيير إحساس المشاهد بالمكان. فالصحراء التي تبدو في البداية ساكنة ومعزولة تصبح فجأة فضاءً ينبض بالصوت والحركة، قبل أن تعود العزلة لتفرض نفسها مع تقدم الرحلة.
وتولى الموسيقى المؤلف الإلكتروني المعروف باسم Kangding Ray، بينما اعتمد الفيلم أيضاً على تصميم صوتي يحظى بأهمية كبيرة في خلق تجربته الحسية. وقد أشار مهرجان كان إلى حضور الموسيقى الإلكترونية باعتبارها جزءاً أساسياً من العالم الذي تتحرك داخله الشخصيات.
من المغرب إلى منصة كان
لم يتوقف صدى «صِراط» عند حدود التجربة البصرية. فقد دخل الفيلم المسابقة الرسمية للدورة الـ78 من مهرجان كان السينمائي سنة 2025، قبل أن يحصل على جائزة لجنة التحكيم مناصفة، في اعتراف دولي بمشروع سينمائي شديد الخصوصية.
كما واصل الفيلم حضوره في المهرجانات والجوائز الدولية، فيما أصبح المغرب، بالنسبة إلى متابعي العمل، أكثر من موقع تصوير. فالمكان الذي اختاره لاكس ليحتضن الجزء الأكبر من الرحلة تحول إلى أحد العناصر التي ساهمت في منح الفيلم هويته البصرية.
وفي هذا السياق، تكتسب علاقة المخرج بالمغرب أهمية إضافية. فقد أكد لاكس خلال مشاركته في المهرجان الدولي للفيلم بمراكش أن المغرب احتل مكانة أساسية في مساره الشخصي والفني، وأنه عاش في طنجة وورزازات ومدن مغربية أخرى، معتبراً البلاد جزءاً من تجربته التي غذت نظرته السينمائية.
لماذا تبدو صحراء المغرب مختلفة على الشاشة؟
ربما تكمن الإجابة في أن «صِراط» لم يتعامل مع الصحراء كصورة جاهزة. لم يبحث الفيلم فقط عن الكثبان والسماء المفتوحة، بل عن فضاء يمكن أن يحمل معنى الخوف والانتظار والضياع والتحول.
وهذا ما يجعل حضور المغرب في الفيلم مختلفاً عن حضور مواقع التصوير التقليدية التي يمكن استبدالها بموقع آخر من دون أن يتغير العمل كثيراً. في «صِراط»، يبدو أن المكان جزء من الفكرة نفسها.
حتى ظروف التصوير القاسية أصبحت، بطريقة أو بأخرى، جزءاً من النتيجة النهائية. الحرارة والعواصف والغبار لم تختف خلف الكاميرا تماماً، بل تسللت آثارها إلى الصورة والإحساس العام بالفيلم، وهو ما جعل التجربة أكثر خشونة وأقل اصطناعاً.
وفي النهاية، قد يكون أهم ما فعله «صِراط» بالنسبة إلى الصورة السينمائية للصحراء المغربية أنه لم يقدمها باعتبارها مساحة فارغة تنتظر قصة تأتي من الخارج، بل جعلها هي التي تعيد تشكيل القصة. هناك، بين الجبال والمساحات الصحراوية والطرق الممتدة بلا نهاية، يصبح المكان قوة تؤثر في الشخصيات بقدر ما تؤثر الشخصيات فيه.

وبينما يصل الأب وابنه إلى أعماق الصحراء بحثاً عن شخص غائب، يجد المشاهد نفسه أمام رحلة أخرى: رحلة في فضاء مغربي يتحول من موقع للتصوير إلى بطل صامت، ومن خلفية للأحداث إلى جزء من معناها.
وهنا تحديداً تكمن فرادة «صِراط»: فالصحراء المغربية لا تظهر في الفيلم فقط، بل تُسمَع وتُحَس وتفرض إيقاعها على الحكاية.




