لم تعد التوترات السياسية المتصاعدة بين المغرب وإسبانيا محصورة في دائرة التصريحات والمواقف الحزبية، بعدما بدأ النقاش يمتد إلى المصالح الاقتصادية والشركات الإسبانية التي راكمت خلال السنوات الأخيرة حضوراً متنامياً داخل المملكة، مستفيدة من مشاريع كبرى في السكك الحديدية والماء والهندسة والبنيات التحتية.

ويكتسب هذا البعد الاقتصادي أهمية أكبر في ظل التصعيد الذي تشهده الساحة السياسية الإسبانية خلال الفترة الأخيرة، ولا سيما بعد تحرك حزب “فوكس” للمطالبة بإعادة النظر في مشاركة المغرب في تنظيم كأس العالم 2030، وهي خطوة تأتي على خلفية الأزمة المرتبطة بمدينة سبتة، وتفتح الباب أمام أسئلة حول مدى قدرة الخلاف السياسي على التأثير في شراكة اقتصادية أصبحت ذات وزن بالنسبة إلى الطرفين.

ففي 6 غشت الجاري، تقدم حزب “فوكس” بمبادرة داخل مجلس النواب الإسباني تطالب بمراجعة مشاركة المغرب في تنظيم مونديال 2030، مستنداً إلى ما اعتبره تدهوراً في الثقة والتعاون عقب أحداث الحدود في سبتة أواخر يوليوز. ولم تعد القضية، بذلك، مجرد سجال إعلامي، بل تحولت إلى مبادرة برلمانية معلنة.

أكثر من 1.3 مليار أورو في ثلاثة مشاريع

تكشف المشاريع التي توجد فيها شركات إسبانية عن حجم المصالح التي يمكن أن تتأثر في حال انتقال الخلاف السياسي إلى المجال الاقتصادي.

وبجمع القيم المعلنة لثلاثة مشاريع أو حزم من العقود الكبرى، يصل المبلغ إلى نحو 1.37 مليار أورو. ويشمل ذلك تمويل اقتناء القطارات، ومشروع تحلية مياه البحر بالدار البيضاء، إضافة إلى عقود هندسية حصلت عليها شركة Ineco خلال سنة 2024.

القيمة الأكبر ترتبط بقطاع السكك الحديدية، حيث وافقت الحكومة الإسبانية في فبراير 2025 على تمويل بقيمة تتجاوز 750 مليون أورو لاقتناء 40 قطاراً بين المدن لفائدة المكتب الوطني للسكك الحديدية المغربي. وأوضحت الحكومة الإسبانية أن العملية تتم عبر صندوق تدويل الشركات الإسبانية (FIEM)، وأن المشروع يستهدف تحديث منظومة النقل السككي بالمغرب.

وتبلغ قيمة التمويل المتداولة في الوثائق المرتبطة بالمشروع نحو 754.3 مليون أورو. أما شركة CAF الإسبانية، فتوجد في قلب هذه الصفقة، التي تنظر إليها مدريد باعتبارها مشروعاً استراتيجياً يفتح المجال أمام الصناعة الإسبانية لتعزيز حضورها في السوق المغربية.

وتربط الحكومة الإسبانية المشروع بشكل واضح بالتحضير لمونديال 2030، إذ قدمت اقتناء القطارات باعتباره جزءاً من عملية تحديث قطاع النقل المغربي استعداداً للاستحقاقات الكبرى المقبلة. كما اعتبرت مدريد مشاريع المونديال فرصة لتوسيع حضور شركاتها في قطاعات النقل والبناء والرقمنة والسياحة.

وتصل سرعة القطارات المعنية إلى 200 كيلومتر في الساعة، في وقت يستعد فيه المغرب لمواصلة تطوير شبكته السككية وتعزيز الربط بين عدد من المدن.

الماء.. مشروع بـ613 مليون أورو

في قطاع المياه، يبرز مشروع محطة تحلية مياه البحر في الدار البيضاء، الذي تقوده شركة Acciona الإسبانية ضمن تحالف يضم أيضاً شركتي Green of Africa وAfriquiaGaz المغربيتين.

وتقدر قيمة الاستثمار الإجمالي للمشروع بـ613 مليون أورو، بينما تصل حصة Acciona في التحالف إلى 50 في المائة، مقابل 45 في المائة لـGreen of Africa و5 في المائة لـAfriquiaGaz.

ومن المنتظر أن تبلغ الطاقة الإنتاجية للمحطة، الواقعة في منطقة سيدي رحال ضمن المجال الكبير للدار البيضاء، نحو 300 مليون متر مكعب سنوياً، بما يسمح بتوفير المياه لنحو 7.5 ملايين شخص، مع إمكانية تخصيص جزء منها للاستخدام الزراعي.

وتتكلف Acciona بالبناء والتشغيل والصيانة لمدة 27 سنة، بينما يعتمد المشروع على تقنية التناضح العكسي، مع تزويده بالطاقة المتجددة القادمة من محطة رياح بير أنزران بقدرة 360 ميغاواط.

وبخلاف صفقة القطارات، لا يرتبط مشروع تحلية الدار البيضاء بصورة مباشرة بتنظيم كأس العالم، لكنه يقع ضمن موجة الاستثمارات الكبرى التي يشهدها المغرب في البنيات الأساسية، وهي الموجة التي تعتبرها الحكومة الإسبانية نفسها مجالاً مهماً لتوسيع نشاط شركاتها داخل المملكة.

Ineco.. حضور إسباني في الدراسات الهندسية

ولا يقتصر الحضور الإسباني على تنفيذ المشاريع الكبرى، بل يمتد إلى مرحلة الدراسات والتخطيط.

فشركة الهندسة العمومية الإسبانية Ineco أعلنت في نونبر 2024 حصولها على ثالث عقد لها في المغرب خلال السنة نفسها، ليرتفع مجموع عقودها الجديدة في المملكة خلال 2024 إلى 2.275 مليون أورو.

ويتعلق أحد هذه المشاريع بإعداد الدراسات الأولية الخاصة بالربط السككي بين وادي زم وبني ملال، ضمن استراتيجية المغرب السككية في أفق 2040. كما تشمل الأعمال توسيع وتصحيح مقاطع سككية، ودراسات لإلغاء معابر مستوية، إلى جانب تطوير مسار جديد بطول يقارب 60 كيلومتراً بين وادي زم وبني ملال.

وبذلك، فإن جمع 754.3 مليون أورو الخاصة بمشروع القطارات، و613 مليون أورو الخاصة بمحطة التحلية، و2.275 مليون أورو الخاصة بعقود Ineco، يقود إلى قيمة إجمالية تبلغ حوالي 1.3696 مليار أورو.

وهذا الرقم لا يمثل بأي حال إجمالي المصالح الإسبانية في المغرب، بل مجرد عينة من المشاريع التي تتوفر بشأنها أرقام معلنة.

أكثر من 350 شركة إسبانية في المغرب

وتظهر الصورة بصورة أوضح عند توسيع زاوية النظر إلى العلاقات الاقتصادية ككل.

فوفق وزارة الاقتصاد والتجارة الإسبانية، توجد في المغرب أكثر من 350 شركة إسبانية، تنشط في قطاعات من بينها الطاقة والبنيات التحتية وصناعة السيارات والخدمات المالية والتكنولوجيا.

وتقول الوزارة إن المغرب يمثل أول وجهة للاستثمارات الإسبانية في إفريقيا، مع مخزون استثماري يقارب ملياري أورو وخلق نحو 27,655 منصب شغل.

كما تصف مدريد المغرب بأنه أول شريك تجاري لها، إذ تجاوز حجم المبادلات الثنائية 22.5 مليار أورو سنوياً، بينما سجل الميزان التجاري فائضاً لصالح إسبانيا يتجاوز 3 مليارات أورو. وارتفعت الصادرات الإسبانية إلى المغرب بنحو 6 في المائة خلال 2024.

وهنا تظهر إحدى أهم مفارقات التصعيد السياسي: فالدعوات إلى استخدام الاقتصاد للضغط على المغرب تأتي في وقت تستفيد فيه شركات إسبانية بشكل مباشر من السوق المغربية، فيما تميل كفة المبادلات التجارية أصلاً لصالح إسبانيا.

مونديال 2030.. من فرصة اقتصادية إلى نقطة خلاف

كان عام 2030، إلى وقت قريب، يمثل بالنسبة إلى مدريد ورقة اقتصادية أكثر منه مصدر خلاف.

ففي فبراير 2025، نظمت الحكومة الإسبانية لقاءً في الرباط خصص لبحث الفرص المتاحة أمام الشركات الإسبانية في المشاريع المرتبطة بالمونديال، وشملت النقاشات قطاعات البنيات التحتية المدنية والرياضية، والنقل، والرقمنة، والتكنولوجيا والسياحة.

وكانت الرسالة الإسبانية آنذاك واضحة: الشركات الإسبانية تمتلك الخبرة، والمغرب مقبل على استثمارات ضخمة، وبالتالي فإن كأس العالم يشكل فرصة لتوسيع التعاون الاقتصادي.

لكن المشهد تغير بصورة ملحوظة في غشت 2026، بعدما انتقل الخلاف إلى البرلمان الإسباني مع مبادرة “فوكس” الرامية إلى استبعاد المغرب من التنظيم المشترك للبطولة. وتأتي المبادرة في سياق أزمة سياسية وأمنية مرتبطة بأحداث سبتة، ما يجعل المونديال يتحول من مساحة للتعاون الاقتصادي إلى إحدى ساحات التجاذب السياسي.

ولا يعني هذا التطور، في حد ذاته، أن تنظيم البطولة قد تغير؛ فالمغرب وإسبانيا والبرتغال ما زالوا أطراف التنظيم المشترك، فيما تبقى الدعوات الحزبية الإسبانية في إطار الضغط السياسي ما لم تترتب عليها قرارات مؤسساتية من الجهات المختصة.

ماذا عن الاتفاق التجاري بين المغرب والاتحاد الأوروبي؟

من المهم هنا التمييز بين الخطاب السياسي والواقع القانوني.

فالعلاقة التجارية بين المغرب والاتحاد الأوروبي تستند أساساً إلى اتفاق الشراكة الأورومتوسطية، الذي دخل حيز التنفيذ سنة 2000 وأنشأ منطقة للتجارة الحرة، إضافة إلى اتفاقات لاحقة تخص تحرير تجارة المنتجات الزراعية والمنتجات الزراعية المصنعة ومنتجات الصيد البحري.

وقد شهد هذا الإطار تطورات حديثة أيضاً؛ إذ دخل تعديل للبروتوكولات ذات الصلة حيز التطبيق المؤقت في أكتوبر 2025، فيما تواصل المؤسسات الأوروبية وصف العلاقة مع المغرب بأنها شراكة استراتيجية ومتعددة الأبعاد.

والأهم أن المفوضية الأوروبية ما زالت، في 2026، تصف الاتحاد الأوروبي بأنه أكبر شريك تجاري للمغرب، وتؤكد استمرار العمل باتفاق الشراكة. كما عقد مجلس الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب اجتماعه الخامس عشر في يناير 2026.

وعليه، فإن الحديث عن “تعليق الاتفاق التفضيلي” ينبغي فهمه باعتباره مطلباً سياسياً مطروحاً من بعض القوى الإسبانية، وليس قراراً أوروبياً قائماً حالياً.

وفي المقابل، سبق لحزب “فوكس” أن تبنى مواقف تطالب بتعليق أجزاء من الترتيبات التجارية بين المغرب والاتحاد الأوروبي، ومنها مبادرة برلمانية تخص الاتفاق الزراعي. وفي فبراير 2026، رفضت اللجنة البرلمانية المختصة في إسبانيا مبادرة للحزب بهذا الشأن.

السياحة.. المصالح لا تتوقف عند التجارة

ويظهر الترابط الاقتصادي بين البلدين أيضاً في قطاع السياحة.

فقد أنفق الزوار القادمون من المغرب في إسبانيا خلال 2025 نحو 1.084 مليار أورو، بزيادة بلغت 16.7 في المائة مقارنة بالسنة السابقة، وفق بيانات سياحية إسبانية نقلتها مصادر تستند إلى الإحصاءات الرسمية.

ويكشف هذا التطور عن أهمية السوق المغربية بالنسبة إلى الاقتصاد السياحي الإسباني، خصوصاً في المناطق القريبة من المملكة مثل الأندلس.

وبذلك، لا تقتصر المصالح المتبادلة على عقود البنية التحتية أو المبادلات التجارية، وإنما تمتد إلى حركة الأشخاص والإنفاق السياحي والاستثمار والخدمات.

هل يمكن أن تتحول الخلافات السياسية إلى قرارات اقتصادية؟

حتّى الآن، لا توجد معطيات رسمية منشورة تشير إلى إلغاء المغرب للعقود الإسبانية المذكورة أو اتخاذ قرار شامل بإعادة النظر في الشركات الإسبانية العاملة في المملكة.

كما أن المعطيات الرسمية الإسبانية المنشورة خلال 2025 كانت تسير في الاتجاه المعاكس تماماً، إذ كانت مدريد تسعى إلى تعزيز حضور شركاتها في مشاريع البنية التحتية المغربية، بل وتقديم التمويل الحكومي الإسباني لمشاريع تستفيد منها شركات إسبانية.

لكن استمرار التصعيد السياسي يطرح احتمالاً مختلفاً على المدى المتوسط: أن يصبح تنويع الموردين والشركاء أحد عناصر القرار الاقتصادي المغربي، خصوصاً في المشاريع الجديدة التي توجد فيها بدائل دولية متعددة.

وهنا تكمن نقطة القوة الأساسية بالنسبة إلى الرباط. فالمغرب لا يعتمد اقتصادياً على شريك أوروبي واحد، وتوجد في سوق البنيات التحتية والطاقة والنقل شركات ومجموعات من فرنسا وإيطاليا وتركيا ودول أخرى، بما يجعل إمكانية تنويع الاختيارات قائمة من حيث المبدأ.

في المقابل، فإن أي قطيعة اقتصادية واسعة ستكون مكلفة أيضاً لإسبانيا، ليس فقط بسبب المبادلات التجارية، بل بسبب موقع المغرب في ملفات تتجاوز الاقتصاد، وفي مقدمتها الهجرة والأمن ومكافحة الإرهاب ومراقبة الحدود.

المصالح المتشابكة تفرض حسابات مختلفة

المفارقة الأساسية في المشهد الحالي أن التصعيد السياسي يجري بين بلدين بلغت مصالحهما الاقتصادية المتبادلة مستوى يصعب معه فصل التجارة عن السياسة.

فمن جهة، تستفيد شركات إسبانية من مشاريع مغربية بمئات الملايين من الأورو، فيما تراهن مدريد على السوق المغربية لتدويل شركاتها وتعزيز صناعاتها.

ومن جهة أخرى، يملك المغرب هامشاً متزايداً لتنويع شركائه واختياراته في قطاعات استراتيجية، بينما تظل إسبانيا مرتبطة بالمغرب في ملفات لا يمكن اختزالها في أرقام المبادلات التجارية.

وتؤكد المعطيات الرسمية الأوروبية أن الشراكة بين الاتحاد الأوروبي والمغرب لا تقتصر على التجارة، بل تشمل الأمن والهجرة والبيئة والاستثمار والبحث والابتكار، وهي مجالات واصلت بروكسل تعزيز التعاون بشأنها خلال 2026.

لهذا تبدو المواجهة الاقتصادية الشاملة سيناريو عالي الكلفة على الطرفين، بينما يبقى السيناريو الأكثر واقعية، في حال استمرار التوتر، هو انتقال الخلاف تدريجياً إلى قرارات انتقائية تخص بعض العقود أو الصفقات أو المشاريع المستقبلية، بدلاً من القطيعة الشاملة.

وفي نهاية المطاف، فإن السؤال الذي تفرضه التطورات الحالية ليس ما إذا كانت المصالح الاقتصادية الإسبانية موجودة في المغرب، فحجمها موثق وواضح، وإنما ما إذا كانت هذه المصالح ستظل قادرة على العمل بمعزل عن التوتر السياسي المتصاعد.

فالمغرب وإسبانيا دخلا خلال السنوات الماضية مرحلة من التشابك الاقتصادي العميق، وكان مونديال 2030 أحد أبرز العناوين التي جسدت هذا التقارب. أما اليوم، فإن البطولة نفسها باتت جزءاً من التجاذب السياسي.

وبين خطاب يدعو إلى مجابهة الرباط، ومصالح اقتصادية تقدر بمليارات الأورو، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً من مجرد خلاف دبلوماسي: كلما ارتفع منسوب التصعيد السياسي، ارتفعت أيضاً كلفة تحويله إلى مواجهة اقتصادية مفتوحة.