منذ أن أعلن المخرج البريطاني كريستوفر نولان عزمه نقل ملحمة “الأوديسة” للشّاعر الإغريقي هوميروس إلى السينما، لم يكن الرّهان مقتصراً على إعادة تقديم واحدة من أشهر القصص الأدبية في التّاريخ، بل امتدّ إلى بناء عالم بصري ضخم يعيد إحياء فضاءاتها الأسطورية عبر مواقع تصوير حقيقية تمتد بين القارات.

واختار نولان، المعروف بتفضيله التّصوير في المواقع الطّبيعية والاعتماد على المؤثّرات العملية قدر الإمكان، مجموعة من المناظر التّاريخية والطّبيعية لتجسيد رحلة أوديسيوس، من حرب طروادة إلى عودته الطّويلة نحو جزيرة إيثاكا. وشملت عمليّة التّصوير ست دول، من بينها المغرب واليونان وإيطاليا ومالطا واسكتلندا وآيسلندا، إضافة إلى مشاهد نفذت داخل الولايات المتحدة.

لكن الحضور المغربي في هذا المشروع يبرز بشكل خاص، إذ تحوّلت مواقع من الجنوب المغربي والسّاحل الأطلسي إلى فضاءات سينمائية احتضنت عالماً يعود إلى آلاف السنين، مستفيدة من تنوع جغرافي ومعماري جعل المملكة واحدة من أكثر البلدان جذباً للإنتاجات التّاريخية العالمية.

المغرب.. حين أصبحت آيت بن حدو طروادة

في قلب الجنوب الشّرقي للمغرب، قرب مدينة ورزازات، حضر قصر آيت بن حدو كواحد من أبرز الخلفيّات التي اعتمد عليها الفيلم لتجسيد عالم طروادة.

هذا الموقع المدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو منذ سنة 1987، والمعروف بهندسته الطينية التقليدية وأسواره وأبراجه، سبق أن احتضن تصوير أعمال سينمائية عالمية بسبب قدرته على منح الشّاشة إحساساً بالمدن القديمة. وفي “الأوديسة” استُخدمت المنطقة لإعادة بناء أجواء مرتبطة بحرب طروادة، مع إقامة منشآت مؤقتة خاصة بالإنتاج إلى جانب النّسيج التّاريخي الأصلي للموقع.

ولا يمثّل اختيار آيت بن حدو مجرّد قرار جمالي، بل يعكس استمرار الحضور المغربي في السينما العالمية، حيث سبق للموقع نفسه أن ظهر في أعمال تاريخية وملحمية كبرى، ما جعله أحد أشهر مواقع التصوير في العالم.

الصويرة.. شاطئ الأطلسي في قلب أسطورة حصان طروادة

من الجنوب الشّرقي إلى السّاحل الأطلسي، انتقل فريق الإنتاج إلى الصويرة، المدينة المعروفة بأسوارها التاريخية ورياحها القوية ومشهدها البحري المميز.

واستخدمت شواطئ المدينة لتصوير مشاهد مرتبطة بحصان طروادة ورحلة أوديسيوس بعد سقوط المدينة، حيث ساعد امتداد الساحل والمناظر الطبيعية المفتوحة على خلق فضاء بصري يتناسب مع عالم الملاحم القديمة.

وتمنح الصويرة، التي أدرجت مدينتها العتيقة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو سنة 2001، مزيجاً بين العمارة التاريخية والمشهد البحري، وهو ما جعلها خلال العقود الماضية موقعاً مفضلاً للإنتاجات السينمائية الدولية.

الداخلة.. الصّحراء والمحيط في دور الجزيرة الأسطورية

في أقصى جنوب المغرب، شكّلت منطقة الداخلة، وتحديداً منطقة الكثيب الأبيض، خلفية لمشاهد مرتبطة بجزيرة أوجيجيا الأسطورية، حيث تقول الملحمة إن الحورية كاليبسو احتجزت أوديسيوس لسنوات طويلة.

وتتميّز المنطقة بتداخل الصّحراء مع المحيط الأطلسي، وهو مشهد طبيعي يمنح إحساساً بالعزلة والغرابة، وهي عناصر تنسجم مع طبيعة العالم الأسطوري الذي تنتمي إليه شخصية كاليبسو.

اليونان.. العودة إلى الجذور التّاريخية للملحمة

رغم اعتماد نولان على مواقع متعددة حول العالم، ظلت اليونان حاضرة باعتبارها الموطن التاريخي لأسطورة أوديسيوس وفضاء هوميروس الأصلي.

وشملت مواقع التّصوير مناطق من شبه جزيرة البيلوبونيز، بينها شاطئ فويدوكيليا وكهف نيستور وقلعة ميثوني، وهي مواقع تتميز بقربها الرمزي من الجغرافيا المرتبطة بالأساطير اليونانية القديمة.

ويمنح التّصوير في هذه المواقع الفيلم اتصالاً مباشراً بالإرث الحضاري الذي خرجت منه الملحمة، حتى وإن كانت رحلة أوديسيوس في النص الأدبي نفسه تنتمي إلى عالم أسطوري لا يمكن تحديد جميع أماكنه جغرافياً بشكل دقيق.

إيطاليا ومالطا.. جزر المتوسّط تستعيد عوالم أوديسيوس

في إيطاليا، اختار فريق الإنتاج جزيرة فافينيانا ضمن الأرخبيل الإيغادي في صقلية، حيث تحولت مناظرها البحرية وقلاعها إلى جزء من العالم الذي يعبره أوديسيوس خلال رحلته.

كما احتضنت الجزر الإيولية شمال صقلية تصوير مشاهد بحرية مرتبطة بالمغامرات التي واجهها البطل الإغريقي. وقد أثار الفيلم اهتماماً سياحياً بهذه المواقع، خصوصاً في فافينيانا التي بدأت تستعد للاستفادة من موجة السياحة السينمائية.

أمّا مالطا، فقد واصلت حضورها كإحدى الوجهات المفضلة للإنتاجات التاريخية، مستفيدة من طبيعتها الصخرية وكهوفها ومواقعها القديمة.

اسكتلندا وآيسلندا.. الطّبيعة الباردة في خدمة الأسطورة

في شمال أوروبا، استعان نولان بمشاهد من اسكتلندا لتجسيد بعض الجزر والمناطق الغامضة في رحلة أوديسيوس، مستفيداً من القلاع القديمة والسواحل الصخرية.

كما لعبت آيسلندا دوراً مختلفاً، إذ قدمت مناظرها البركانية وشواطئها السوداء وفضاءاتها القاسية خلفيات لمشاهد ذات طابع روحاني وغامض، بما ينسجم مع مراحل الرحلة التي تتجاوز العالم الواقعي في ملحمة هوميروس.

من الشّاشة إلى السّياحة.. حين تتحوّل السّينما إلى خريطة سفر

لا تكمن أهمية “الأوديسة” فقط في قيمته السينمائية، بل أيضاً في قدرته على إعادة تعريف علاقة الجمهور بالأماكن التي تظهر على الشاشة. فالتجارب السابقة أثبتت أن الأعمال الكبرى يمكن أن تحول مواقع التصوير إلى وجهات سياحية عالمية، وهو ما بدأت بعض المناطق المرتبطة بالفيلم في استثماره.

وبالنّسبة للمغرب، يمثّل حضور مواقع مثل آيت بن حدو والصويرة والداخلة في إنتاج عالمي بهذا الحجم فرصة إضافية لتعزيز صورة المملكة كوجهة تجمع بين التاريخ والطبيعة والبنية السينمائية القادرة على استقبال المشاريع الدولية الكبرى.

وهكذا، لا تقدم “الأوديسة” رحلة أوديسيوس الأسطورية فقط، بل ترسم أيضاً رحلة جديدة للمواقع التي احتضنتها، من ضفاف الأطلسي المغربي إلى جزر المتوسط وسواحل الشمال الأوروبي.