دخل ملف الصحراء منعطفا دبلوماسيا غير مسبوق منذ نحو 35 سنة، عقب تعثّر التوصل إلى توافق داخل مجلس الأمن بشأن مستقبل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء «المينورسو»، بعدما حال اعتراض روسيا دون اعتماد مقترح تعديل مهامها، في حين عرقل الموقف الأمريكي تجديد ولايتها وفق الصيغة المعمول بها، ما وضع استمرار وجودها الميداني أمام احتمالات جديدة، من بينها الانسحاب وإنهاء المهمة التي باشرتها منذ اتفاق وقف إطلاق النار سنة 1991.
ويعيد هذا التطور طرح أسئلة جوهرية بشأن مستقبل الدور الأممي في المنطقة، والتدابير القانونية والعملياتية التي يتطلبها إنهاء مهمة بعثة لحفظ السلام، فضلا عن انعكاساته على المسار السياسي للنزاع. ويأتي ذلك في سياق موقف مغربي يعتبر أن المرحلة التي ارتبطت بوجود «المينورسو» قد استنفدت أغراضها، وأن استمرار حضورها لم يعد ضروريا في ظل التطورات التي يعرفها الملف.
ورغم أن إمكانية التوصل إلى توافق داخل مجلس الأمن ظلت قائمة من الناحية النظرية إلى غاية انتهاء أجل الولاية، فإن المواقف التي تضمنها بلاغ الديوان الملكي عكست استعداد الرباط للتعامل مع احتمال إنهاء مهمة البعثة، بما يشمل مغادرة موظفيها وإخلاء معداتها ومركباتها وإزالة العلامات والرموز المرتبطة بالأمم المتحدة.
ولا يقتصر النقاش، في هذا السياق، على مصير البعثة الأممية، بل يمتد إلى طبيعة المرحلة التي قد تلي مغادرتها، وما إذا كان ذلك سيؤدي إلى تقليص الطابع الدولي للنزاع، أم سيشكل بداية مرحلة جديدة تستند إلى مقاربات دبلوماسية مختلفة.
تجارب أممية سابقة.. الانسحاب ليس سابقة في تاريخ حفظ السلام
لا يمثّل احتمال انتهاء مهمة «المينورسو» حالة استثنائية في سجل عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام، إذ سبق للمنظمة الدولية أن أنهت وجود بعثات متعددة في مناطق نزاع، لأسباب اختلفت بين استكمال المهام المحددة لها، والتوصل إلى اتفاقات سياسية وأمنية، وتغير الظروف الميدانية، أو تعذر مواصلة العمل بفعل القيود المفروضة عليها، وأحيانا استجابة لطلبات صريحة من الدول المضيفة.
ومن أبرز النماذج التاريخية في هذا المجال، انسحاب قوة الطوارئ الأممية الأولى من مصر وقطاع غزة سنة 1967، عقب طلب القاهرة إنهاء انتشارها، بعدما ظلت تعمل منذ تأسيسها سنة 1956 في أعقاب أزمة السويس.
كما شهدت الصومال إنهاء مهمة الأمم المتحدة سنة 1995، في ظل استمرار الحرب الأهلية وتدهور الوضع الأمني، بينما غادرت البعثة الأممية رواندا سنة 1996، بعد انتهاء تفويضها وسط خلافات مع السلطات المحلية حول استمرار وجودها.
وامتدّت هذه التجارب إلى مناطق عرفت نزاعات حدودية معقدة، من بينها إثيوبيا وإريتريا، حيث قرر مجلس الأمن سنة 2008 إنهاء مهمة البعثة التي أُنشئت سنة 2000 لمراقبة وقف إطلاق النار بين البلدين، بعدما حالت القيود المتعلقة بحركة أفرادها وإمداداتها دون مواصلة عملياتها، رغم استمرار الخلاف الحدودي دون تسوية نهائية.
وفي سنة 2010، انتهت مهمة بعثة الأمم المتحدة في تشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى «مينوركات»، إثر مطالبة السلطات التشادية بسحب المكون العسكري الأممي، وتولي مسؤولية حماية المدنيين داخل أراضيها.
أمّا في السودان، فقد قرر مجلس الأمن إنهاء مهمة البعثة المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي في دارفور نهاية سنة 2020، في إطار ترتيبات أممية جديدة، رغم استمرار عدد من التحديات الأمنية والإنسانية بالإقليم.
وفي تجارب أخرى، ارتبط إنهاء الوجود الأممي بتحسن الأوضاع الأمنية وتقدم عمليات الانتقال السياسي وإعادة بناء مؤسسات الدولة. ومن ذلك سيراليون سنة 2005، بعد انتهاء الحرب الأهلية والتقدم في برامج نزع السلاح وإعادة إدماج المقاتلين، وتيمور الشرقية سنة 2012، عقب استكمال مرحلة الانتقال وتعزيز قدرات المؤسسات الوطنية.
وشملت عمليات إنهاء المهام أيضا الكوت ديفوار سنة 2017، بعد نحو 13 سنة من عمل البعثة الأممية في مواكبة جهود السلام والاستقرار السياسي، وليبيريا سنة 2018، بعد قرابة 15 سنة من الدعم الدولي الموجه إلى تثبيت الأمن وإعادة بناء مؤسسات الدولة عقب الحرب الأهلية.
كما شهدت موزمبيق سنة 1994، وكمبوديا سنة 1993، وأنغولا سنة 1999، انتهاء مهام أممية في سياقات ارتبطت بتنفيذ اتفاقيات السلام أو استكمال مراحل سياسية وانتخابية، مع اختلاف الظروف التي ميزت كل تجربة.
وتعد مالي من أحدث الحالات البارزة، بعدما قرر مجلس الأمن في يونيو 2023 إنهاء تفويض بعثة الأمم المتحدة المتكاملة متعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي «مينوسما»، استجابة لطلب السلطات الانتقالية المالية، رغم استمرار المواجهات المسلحة والتحديات الأمنية. واستكملت البعثة سحب قواتها وأفراد شرطتها بحلول نهاية دجنبر من السنة ذاتها، مع استمرار بعض العمليات المرتبطة بالتصفية اللوجستية.
وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية، انطلقت سنة 2024 عملية الانسحاب التدريجي لبعثة «مونوسكو»، وفق ترتيبات متفق عليها مع السلطات الكونغولية، وشملت مرحلتها الأولى إقليم جنوب كيفو، دون أن يمتد الانسحاب آنذاك إلى باقي مناطق انتشار البعثة.
إنهاء التفويض لا يعني المغادرة الفورية.. مراحل قانونية ولوجستية معقدة
على المستوى العملي، لا يترتب عن قرار إنهاء مهمة بعثة أممية إخلاء مواقعها ومغادرة أفرادها بصورة تلقائية، إذ تخضع العملية لسلسلة من الإجراءات القانونية والإدارية واللوجستية، التي تتطلب تنسيقا بين مجلس الأمن والأمانة العامة للأمم المتحدة والدول المساهمة بالقوات وأفراد الشرطة، فضلا عن السلطات المعنية في البلد أو المنطقة المستضيفة.
وتستند هذه العملية إلى الصلاحيات التي يخولها ميثاق الأمم المتحدة لمجلس الأمن، باعتباره الجهاز الرئيسي المكلف بحفظ السلم والأمن الدوليين. ويكون إنهاء المهمة، في العادة، موضوع قرار أممي يحدد موعد انتهاء التفويض، أو يكلف الأمين العام بإعداد خطة عملية تتضمن مراحل الانسحاب والتدابير الضرورية لتنفيذها.
وبحسب المعطيات المرتبطة بالإجراءات المعتمدة داخل الأمم المتحدة، تبدأ مرحلة التنفيذ بوضع خطة انتقالية تحدد كيفية تقليص أنشطة البعثة، مع ترتيب الأولويات المتعلقة بسلامة الأفراد والممتلكات، وضمان انتقال المسؤوليات إلى الجهات المختصة.
وتشمل هذه العملية إغلاق المكاتب والمواقع الميدانية، وتقليص الدوريات والأنشطة العملياتية، وإعادة توزيع الموظفين والمعدات، فضلا عن التنسيق مع السلطات المحلية بشأن المنشآت والمرافق التي ستتم مغادرتها.
وفي الحالات التي تتولى فيها السلطات الوطنية المسؤوليات التي كانت البعثة الأممية تساهم في تنفيذها، يجري تنظيم عملية تسليم المواقع والمهام وفق الترتيبات المتفق عليها. أما بعض الأنشطة المدنية، فقد يستمر تنفيذها من خلال وكالات أممية أخرى تظل حاضرة في المنطقة، خصوصا في المجالات الإنسانية والتنموية وغيرها من الاختصاصات.
وبالنسبة إلى المكون العسكري، فإن سحبه يتم بتنسيق مباشر مع الدول التي ساهمت بقواتها في البعثة، من خلال تحديد مواعيد مغادرة الوحدات وتنظيم نقل الجنود والأسلحة والذخائر والمعدات إلى بلدانهم الأصلية أو إلى وجهات أخرى معتمدة.
ولا تتم هذه العملية بالضرورة دفعة واحدة، إذ يمكن اعتماد انسحاب تدريجي للوحدات، مع الإبقاء مؤقتا على عناصر محدودة تتولى تأمين المواقع والتجهيزات ومواكبة الجوانب اللوجستية إلى حين استكمال الإخلاء.
وينطبق الأمر ذاته على أفراد الشرطة والمراقبين العسكريين والموظفين المدنيين، حيث يجري تقليص أعدادهم تبعا لطبيعة المهام التي يؤدونها، مع الاحتفاظ ببعض الكفاءات الإدارية والتقنية خلال المراحل الأخيرة من العملية.
المعدات والآليات.. جرد شامل وتحديد مصير الممتلكات
تمثّل إدارة المعدات والتجهيزات واحدة من أكثر مراحل الانسحاب حساسية، بالنظر إلى تعدد الجهات التي تعود إليها ملكيتها، إذ تميز الأمم المتحدة بين الممتلكات التابعة للمنظمة وتلك التي توفرها الدول المساهمة بأفرادها ووحداتها العسكرية والأمنية.
وتخضع مختلف التجهيزات لعمليات جرد وتدقيق وتوثيق، تشمل السيارات والشاحنات والمدرعات وأجهزة الاتصال والمولدات الكهربائية والحواسيب والأثاث والمعدات الطبية وغيرها من الممتلكات المستخدمة في أنشطة البعثة.
وبعد استكمال عمليات الفحص، يحدد مصير كل صنف وفق قواعد الملكية والتدبير المالي والإداري المعمول بها. ففي الغالب، تستعيد الدول المشاركة معداتها الخاصة، بينما يمكن نقل التجهيزات المملوكة للأمم المتحدة إلى بعثات أخرى أو تخزينها، أو التصرف فيها عن طريق البيع أو التبرع، متى سمحت القواعد المعتمدة بذلك.
وتتضمّن إجراءات الإخلاء كذلك إزالة الشعارات واللوحات المعدنية وأرقام التسجيل والعلامات التعريفية التي تربط المركبات والمعدات بالمنظمة الدولية، خصوصا عندما تنتقل ملكيتها إلى جهات أخرى، وذلك تفاديا لاستمرار استعمالها بصورة توحي بأنها لا تزال تابعة للأمم المتحدة.
أمّا الأسلحة والذخائر والمدرعات والتجهيزات العسكرية الحساسة، فتخضع لمعايير أكثر صرامة، إذ تتم إعادتها إلى الدول المالكة أو التعامل معها وفق الإجراءات الخاصة المعتمدة، مع إمكانية إتلاف المعدات التي يتعذر نقلها بطريقة آمنة.
التصفية الإدارية.. مرحلة قد تستمر بعد مغادرة آخر الجنود
لا ينتهي المسار اللوجستي بمجرد خروج آخر الوحدات العسكرية من منطقة انتشار البعثة، إذ تعقب ذلك مرحلة تعرف بالتصفية الإدارية، تتولى خلالها فرق محدودة استكمال الملفات التي لم تتم تسويتها خلال فترة العمليات.
وتشمل هذه المرحلة مراجعة الممتلكات المتبقية، وتسوية الالتزامات المالية، وإغلاق العقود المبرمة مع الموردين ومقدمي الخدمات، ومعالجة المستحقات والتعويضات، فضلا عن استكمال الإجراءات المتعلقة بالموظفين المحليين والدوليين.
وقد تستغرق هذه العملية عدة أشهر بعد انتهاء التفويض الرسمي، كما أظهرت تجربتا مالي ودارفور، حيث استمرت فرق مختصة في معالجة الجوانب المالية والإدارية واللوجستية بعد توقف الأنشطة الأساسية للبعثتين.
ويعني ذلك أن هناك فارقا بين ثلاثة مستويات من إنهاء الوجود الأممي: انتهاء التفويض القانوني، وانسحاب القوات والأفراد من الميدان، ثم الإغلاق الإداري واللوجستي النهائي للبعثة. وقد لا تتزامن هذه المراحل بالضرورة، إذ يمكن أن تنتهي كل واحدة منها في موعد مختلف.
المغرب يستعد لمرحلة ما بعد «المينورسو»
في ما يتعلق بالصحراء، ظلت أمام مجلس الأمن، من الناحية الدبلوماسية، إمكانية أخيرة للتوصل إلى صيغة توافقية قبل انتهاء أجل الولاية في 31 أكتوبر 2026 بتوقيت نيويورك. وكان بالإمكان نظريا اعتماد الصيغة السابقة التي دافعت عنها روسيا، أو صيغة معدلة تتضمن حذف مهمة الإشراف على الاستفتاء، وفق المقترح الأمريكي، أو التوصل إلى تسوية وسطية تجمع بعض عناصر الموقفين.
غير أن المؤشرات التي أعقبت النقاش داخل مجلس الأمن، إلى جانب المضمون السياسي لبلاغ الديوان الملكي، عكست توجها مغربيا نحو الاستعداد لمرحلة مختلفة، بدلا من إظهار رغبة واضحة في الانخراط في مفاوضات اللحظات الأخيرة بشأن استمرار البعثة.
وقد جاء البلاغ الملكي عقب انتهاء أشغال المجلس، التي شهدت أيضا مداخلة الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، الذي أشار إلى حجم التنازلات التي قدمتها الرباط خلال المفاوضات بشأن الصيغة المقترحة، مبرزا أن إعدادها تطلب ساعات طويلة من المشاورات.
وفي الاتجاه ذاته، حملت تصريحات الممثل الأمريكي الدائم لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، مؤشرات على أن واشنطن تتجه نحو تدبير مرحلة انسحاب البعثة، بعدما اعتبر أن مهمتها انتهت عقب استخدام روسيا حق النقض، مؤكدا العمل مع الأمين العام للأمم المتحدة من أجل ضمان انسحاب مسؤول.
وكان بلاغ الديوان الملكي أكثر وضوحا في التعبير عن الموقف المغربي، إذ اعتبر أن عدم تمديد ولاية «المينورسو» يقتضي إنهاء وجودها في الأقاليم الجنوبية للمملكة خلال الأيام المقبلة، بما يشمل طواقمها ومركباتها ومعداتها ورموزها.
كما وصف البلاغ هذا التطور بأنه طي لصفحة استمرت 35 سنة، معتبرا أن البعثة، التي نشأت في سياق تاريخي سابق، تحولت على مدى سنوات إلى أداة لتدويل النزاع الإقليمي المتعلق بالصحراء.
ولا يقف التصور المغربي للمرحلة المقبلة عند حدود إنهاء الوجود الميداني للبعثة، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة النظر في الإطار الأممي الذي ظل يحتضن المسار السياسي للملف.
فقد دعا البلاغ إلى وضع حد لإحالة القضية على مجلس الأمن، معتبرا أن استمرار الاجتماعات الدورية المخصصة للصحراء، وتقارير الأمين العام ذات الصلة، وإحاطات مبعوثه الشخصي، لم يعد له ما يبرره في ظل التطور الجديد.
وأشار أيضا إلى أن إنهاء المسار السياسي الأممي، الذي وصفه بأنه اتسم بالمماطلة واستمرار الجمود، ينبغي أن يمتد إلى هيئات أممية أخرى، في إطار توجه يرمي إلى تغيير طبيعة التعاطي الدولي مع القضية.
ويعكس هذا الموقف رغبة الرباط في تقليص حضور الملف داخل المؤسسات الأممية، وإعادة توجيه النقاش نحو مقاربة إقليمية ودبلوماسية مختلفة، في ظل اعتبارها أن النزاع يرتبط أساسا بالخلاف مع الجزائر.
وفي المقابل، أكد البلاغ تمسك المغرب بوقف إطلاق النار، مع التشديد على احترام وحدة أراضي المملكة وأمنها الوطني وسلامة مواطنيها، في إشارة إلى أن الاستعداد لإنهاء مهمة البعثة لا يعني التخلي عن الالتزامات المرتبطة بالحفاظ على الاستقرار.
وبينما تقدم التجارب الأممية السابقة نماذج متعددة لكيفية إنهاء مهام بعثات حفظ السلام، تظل الحالة الصحراوية ذات خصوصية سياسية واضحة، بالنظر إلى ارتباط «المينورسو» بمسار نزاع لم يصل إلى تسوية نهائية متوافق عليها. ومن ثم، فإن أي انسحاب محتمل لن يقتصر على ترتيبات إدارية ولوجستية، بل قد يفتح نقاشا أوسع حول مستقبل الإطار الدولي الذي ظل يدير هذا الملف منذ سنة 1991.
