في تطوّر يعكس تصاعد الجدل حول تدبير الدّعم العمومي الموجّه لقطاع المواشي، انتقل النّقاش من دائرة الانتقادات المرتبطة بارتفاع أسعار اللّحوم الحمراء إلى واجهة المواجهة السّياسية داخل البرلمان، بعدما تحوّلت مبادرة إحداث لجنة لتقصّي الحقائق بمجلس النّواب إلى ملف يثير حرجًا متزايدًا داخل مكوّنات الأغلبية الحكومية خلال ما تبقّى من الولاية التّشريعية الحالية.

وفي الوقت الذي تتزايد فيه الدّعوات البرلمانية لكشف تفاصيل تدبير الدّعم المخصّص لاستيراد الأغنام والأبقار، لم يحسم فريق التّجمع الوطني للأحرار، صاحب أكبر تمثيلية بمجلس النّواب والقائد للتّحالف الحكومي، موقفه الرّسمي من المبادرة، رغم تنامي الضّغوط السّياسية والإعلامية المصاحبة للملف، وتواصل الجدل المجتمعي بشأن فعّالية الإجراءات الحكومية في الحد من ارتفاع الأسعار.

وأفادت مصادر من داخل الحزب بأنّ النّقاش حول الموضوع لا يزال مفتوحًا داخل الأجهزة التّنظيمية والفريق النّيابي، مشيرةً إلى أنّ المشاورات الجارية مع القيادة الحزبية ستفضي إلى بلورة موقف نهائي خلال الفترة المقبلة. وأكّدت المصادر ذاتها أنّ ما يتم تداوله بشأن وجود قرار محسوم لا يعكس حقيقة الوضع الدّاخلي، موضّحةً أنّ اتّخاذ المواقف السّياسية يتم وفق آليات التّشاور والتّداول المعتمدة داخل الحزب.

ويضع هذا الملف رئيس الفريق النّيابي الجديد، ياسين عوكاشا، أمام أوّل امتحان سياسي بارز منذ تولّيه المسؤولية، خاصّةً أنّ القضيّة ترتبط بشكل مباشر بحصيلة الحكومة في تدبير أزمة تراجع القطيع الوطني وما رافقها من تخصيص اعتمادات مالية مهمّة لدعم الاستيراد في مواجهة تداعيات الجفاف وارتفاع الأسعار.

وتكتسي مواقف حزب التّجمع الوطني للأحرار أهمية خاصّة بالنّظر إلى ثقله العددي داخل المؤسّسة التّشريعية، إذ يتوفّر على 102 مقاعد من أصل 395 بمجلس النّواب، ما يجعله فاعلاً أساسيًا في أي مبادرة تستهدف استيفاء الشّروط الدّستورية اللاّزمة لإحداث لجنة تقصّي الحقائق.

وينص الفصل 67 من الدّستور على إمكانية إحداث لجان نيابية لتقصّي الحقائق بمبادرة من الملك أو بطلب من ثلث أعضاء أحد مجلسيْ البرلمان، بهدف جمع المعطيات المتعلّقة بوقائع محدّدة أو بكيفيّة تدبير مؤسّسات ومرافق عمومية، ورفع نتائج أعمالها إلى المجلس المعني. وبحساب عدد أعضاء مجلس النّواب، فإنّ تفعيل هذه الآلية الرّقابية يتطلّب دعم ما لا يقل عن 132 نائبًا، وهو ما يجعل مساهمة جزء من الأغلبية أو أحد الفرق الكبرى أمرًا حاسمًا لإنجاح المبادرة.

وتمنح القوانين التّنظيمية لهذه اللّجان صلاحيات واسعة تشمل الاطّلاع على الوثائق والمعطيات الرّسمية، والاستماع إلى مختلف المتدخّلين والمسؤولين المعنيّين، قبل إعداد تقرير نهائي يعرض على الجلسة العامّة وفق المساطر المعمول بها.

ويأتي هذا السّجال السّياسي في ظل استمرار الجدل حول نتائج التّدابير الحكومية المتّخذة خلال سنتيْ 2023 و2024 لمواجهة أزمة اللّحوم الحمراء وتراجع أعداد الماشية، والتي شملت إعفاء واردات الأغنام والأبقار من الرّسوم الجمركية والضّريبة على القيمة المضافة، إلى جانب تخصيص دعم مباشر لاستيراد الأغنام الموجّهة لعيد الأضحى.

وكانت الحكومة قد أعلنت سابقًا أنّ قيمة الدّعم المباشر المخصّص لاستيراد الأغنام خلال موسميْ عيد الأضحى لسنتيْ 2023 و2024 بلغت نحو 437 مليون درهم، استفاد منها 156 مستوردًا، مقابل استيراد ما يقارب 875 ألف رأس من الأغنام.

ورغم هذه الإجراءات، استمرّت أسعار اللّحوم الحمراء في تسجيل مستويات مرتفعة خلال فترات متتالية، الأمر الذي زاد من حدّة الانتقادات الموجّهة للسّياسات الحكومية، ودفع عددًا من الفرق البرلمانية إلى المطالبة بكشف تفاصيل الاستفادة من الدّعم وتقييم أثره الفعلي على توازن السّوق الوطنية والقدرة الشّرائية للمواطنين.

وخلال الأيّام الأخيرة، اكتسبت مبادرة لجنة تقصّي الحقائق زخمًا إضافيًا بعد إعلان عدد من القيادات والبرلمانيين المنتمين إلى حزبيْ الأصالة والمعاصرة والاستقلال دعمهم للمبادرة، في خطوة اعتبرها متابعون مؤشّرًا على توجّه جزء من الأغلبية نحو نقل الملف من دائرة الجدل السّياسي والإعلامي إلى مسار الرّقابة البرلمانية المؤسّساتية.

وفي المقابل، يواصل التّجمع الوطني للأحرار اعتماد سياسة التّريّث في انتظار حسم موقفه النّهائي، ما يجعل الأنظار متّجهة إلى قيادة فريقه النّيابي في تدبير أحد أكثر الملفّات حساسية على السّاحة السّياسية، بالنّظر إلى ارتباطه بأسعار المواد الأساسية وتدبير المال العام، وذلك في سياق يطبعه الاستعداد المبكّر للاستحقاقات التّشريعية المرتقبة سنة 2026.