لا تحتاج الثقافة الحسانية في المغرب إلى تقديم نفسها باعتبارها ثقافة قائمة خارج محيطها الوطني، فهي واحدة من الروافد التي تمنح الثقافة المغربية ثراءها وتنوعها، مثلما أن الصحراء المغربية ليست فضاءً منفصلاً عن المغرب، وإنما جزء أصيل من مجاله الوطني وتاريخه وذاكرته الجماعية. ومن هذا المنظور تحديداً تكتسب الأعمال الدرامية التي تستلهم البيئة الصحراوية والموروث الحساني أهميتها، لأنها لا تكتفي بنقل تفاصيل محلية إلى الشاشة، بل تساهم في توسيع صورة المغرب الثقافية وإبراز تعدد روافده.

وفي هذا السّياق يمكن قراءة مسلسل «غزي إنيمش»، الذي عُرض سنة 2017، في 16 حلقة، مدّة كل واحدة منها نحو 25 دقيقة، من إخراج رشيد الهزمير وتأليف لمغيفري نيمة، وبمشاركة عدد من الممثّلين من بينهم النزاهة الحميد، سكينة دحادح، السالك البودناني، جميلة دامي وسكينة أهل الحماد، كونه دراما حسّانية، لكنّه لا يخلو من توظيف اللّغة العربية.

تتمحور الحكاية حول حياة قبيلة في الصحراء المغربية، وما يحيط بها من علاقات اجتماعية وصراعات ومواجهات، في فضاء يستحضر التراث والعادات الصحراوية، بينما ترتبط الأحداث أيضاً بصراع مسلح وبالدفاع عن الأرض المغربية. وتكشف ملخّصات الحلقات عن مسار سردي تتداخل فيه المواجهات، والاختطاف، والبحث عن المفقودين، والصّراع على القيادة، والعلاقات العاطفية والغيرة، بما يجعل الحكاية تتحرّك بين الخاص والعام، وبين مصائر الشخصيات والرّهان الجماعي على حماية القبيلة.

الصّحراء المغربية.. أكثرُ من فضاءٍ درامي

لكن أهمية «غزي إنيمش» لا تكمن في موضوعه وحده، وإنّما في السّؤال الذي يطرحه على الدراما المغربية: كيف يمكن تحويل البيئة الصحراوية المغربية والموروث الحساني إلى مادة فنية تتجاوز الاستعراض الفولكلوري، وتصبح جزءاً من بناء الحكاية والشخصية والدلالة؟

المسلسل يحاول الإجابة عن هذا السّؤال من خلال جعل القبيلة والمجال الصحراوي المغربي مركزاً للأحداث. فالخيمة ليست مجرد ديكور، والفرس والسيف واللباس التقليدي ليست مجرد علامات بصرية تشير إلى المكان، وإنما تدخل في تشكيل العالم الذي تتحرك فيه الشخصيات. وفي بعض التفاصيل السردية يتحول الشيء التراثي إلى علامة على السلطة والمكانة؛ فإسناد السيف والإزار الخاص بمحمد إلى حسن، بعد وفاته، لكي يصبح قائداً للفرسان، يمنح هذين العنصرين وظيفة تتجاوز حضورهما المادي إلى التعبير عن انتقال المسؤولية والشرعية داخل الجماعة.

وهنا تكمن إحدى نقاط قوّة العمل: أنّه لا يقدّم الثقافة الصحراوية المغربية باعتبارها مجموعة من الأشياء المعروضة أمام الكاميرا، بل يحاول ربط بعض مفرداتها بالعلاقات الاجتماعية وبمنظومة القيم التي تحكم الشخصيات. غير أن هذا التوظيف يظل في بعض المواضع أقرب إلى الوظيفة السردية المباشرة منه إلى بناء رمزي بالغ التعقيد؛ إذ كان بإمكان العمل أن يمنح هذه العناصر التراثية مساحة أكبر لكي تتحدث بصرياً ودلالياً، لا أن تظل مرتبطة فقط بتطوّر الحدث.

والصحراء المغربية، في هذا النّوع من الدراما، تملك إمكانات جمالية هائلة. فالاتساع، والفراغ، والخيمة، وحركة الفارس، والعلاقة بين الإنسان والمكان، كلها عناصر يمكن أن تصنع لغة بصرية خاصة. لكن التحدي أمام المخرج لا يتمثل في تصوير الصحراء فحسب، وإنما في اكتشاف ما يمكن أن تقوله الصحراء عن الشخصيات.

فالمكان الجميل لا يصنع بالضرورة صورة جميلة، والصورة الجميلة لا تصنع بالضّرورة معنى درامياً. القيمة الفنية تبدأ عندما يصبح المكان مؤثراً في السلوك والمصير، وعندما تتحول المسافة والرحيل والانتظار والفراغ إلى عناصر في بنية الحكاية.

ومن هذه الزّاوية، يظل «غزي إنيمش» تجربة قابلة للنّقاش أكثر مما هو نموذج مكتمل للدراما الصحراوية المغربية. فهو ينجح في نقل عدد من ملامح البيئة إلى الشاشة، لكنه كان يستطيع أن يذهب أبعد في جعل المكان جزءاً من الحالة النفسية للشخصيات، لا مجرّد مسرح تتحرّك فوقه الأحداث.

الموروث الحسّاني من العلامة البصرية إلى المعنى

يكتسب حضور الموروث الحساني في العمل أهمية خاصة، لأنه لا ينبغي التعامل معه باعتباره مادة منفصلة عن الثقافة المغربية، وإنما باعتباره واحداً من روافدها الأصيلة التي تمنحها تنوعاً وثراءً خاصين.

ومن هذه الزّاوية، فإنّ استحضار الخيمة واللباس التقليدي والفرس والسيف والعلاقات الاجتماعية وأنماط العيش لا يكتسب قيمته لمجرد كونه يحيل إلى البيئة الصحراوية، وإنما عندما يتحول إلى جزء من اللغة الفنية للعمل.

ويحاول «غزي إنيمش» تحقيق ذلك عبر ربط بعض العناصر التراثية بموقع الشخصية داخل الجماعة. فالسيف والإزار، مثلاً، لا يظهران باعتبارهما إكسسوارات بصرية فقط، وإنما يرتبطان بانتقال المسؤولية والقيادة. وهذا النوع من التوظيف هو ما يمنح الموروث قيمة درامية، لأنه يجعل الرمز جزءاً من الحدث لا مجرد خلفية له.

غير أنّ العمل كان يستطيع أن يذهب أبعد في هذا الاتجاه. فالتراث لا يختصر في الأزياء والفضاءات والأدوات، وإنما يمتد إلى اللغة والإيقاع والموسيقى والذاكرة الشفوية وطريقة بناء العلاقات بين الشخصيات. وهنا تصبح مسألة اللغة ذات أهمية خاصة.

فالمعطيات المتاحة عن المسلسل تصنّف لغته باعتبارها العربية، ولذلك لا يصح تقديمه باعتباره عملاً ناطقاً بالحسانية حصراً. لكن هذا لا يلغي حضور الثقافة الحسانية في عالمه الدرامي، ولا يقلّل من أهمية استثمار عناصرها، بل يفتح سؤالاً فنّياً أوسع: كيف يمكن للدراما المغربية أن تقدّم خصوصية الثقافة الحسانية من داخل الإطار المغربي الجامع؟

الإجابة لا تتطلّب بالضّرورة الاقتصار على اللغة الحسانية، بل تحتاج إلى استثمار مجموع العناصر التي تصنع الذاكرة الثقافية: الحكاية، والإيقاع، والموسيقى، والرموز، والعادات، وأنماط التعبير، والعلاقة بالمكان، وموقع الجماعة والفرد داخل المجتمع.

وهنا تحديداً يمكن للدراما المغربية أن تحقق مكسباً مضاعفاً: أن تقدّم الثقافة الحسانية باعتبارها مكوّناً أصيلاً من مكوّنات الثقافة المغربية، وفي الوقت نفسه أن تمنحها خصوصيتها الجمالية والتّعبيرية من دون صهرها في صورة عامّة تفقدها ملامحها المحلية.

الشّخصيّات والمرأة.. بين قوّة الحضور وحدود البناء

أمّا على مستوى البناء الدرامي، فإن المسلسل يختار بوضوح منطق الحكاية المشوقة. فمنذ الحلقات الأولى تتوالى المواجهات والهجمات والاختطافات، ثم تتسع دائرة الصراع لتشمل التنافس على القيادة والخيانة والعلاقات العاطفية. وتظهر في الحلقات اللاحقة تحولات متتابعة في مسار إنيمش وحسن ومصطفى، بما يحافظ على حركة الأحداث ويمنح كل حلقة امتداداً لما قبلها.

غير أنّ كثافة الأحداث تطرح سؤالاً آخر يتعلق بعمق الشخصيات. ففي بعض المواضع يبدو أن الحكاية تدفع الشخصيات إلى الأمام بسرعة أكبر مما تسمح به عملية تشكلها النفسي. وهذا ينعكس خصوصاً على الشخصيات التي كان يمكن أن تتحول إلى مراكز درامية أكثر تعقيداً.

إنيمش، مثلاً، شخصيّة محورية بحكم حضورها في العنوان ومسار الأحداث، لكنها تقضي جزءاً مهماً من رحلتها في موقع المتلقية لما يفعله الآخرون بها: تُختطف، وتُحتجز، ثم تهرب، وينقذها حسن، قبل أن تجد لنفسها مكاناً داخل القبيلة. وتكشف ملخصات الحلقات المتعاقبة أن انتقالها من الأسر إلى الاندماج داخل الجماعة يمثل أحد الخطوط الرئيسية في الحكاية.

ومن النّاحية النقدية، كان يمكن لهذه الشخصية أن تكون أكثر قوة لو امتلكت قدرة أكبر على صناعة الأحداث، لا الاكتفاء بالتأثر بها. فالشخصية النسائية لا تصبح قوية لمجرد أنها محور الحكاية؛ قوتها الدرامية تقاس أيضاً بمقدار ما تملك من قرار، وما تحدثه من تغيير في مسار الأحداث.

ومع ذلك، فإنّ حضور المرأة في موقع القيادة داخل القبيلة يظل من أكثر العناصر إثارة للاهتمام في العمل. فوجود «القايدة» في مركز القرار يكسر، على المستوى الدرامي، صورة نمطية جاهزة عن توزيع السلطة، ويمنح المسلسل فرصة لطرح أسئلة حول الشرعية والقيادة وموقع المرأة داخل الجماعة.

كما أنّ تطوّر العلاقة بين القايدة وإنيمش، وصولاً إلى تحولهما إلى صديقتين، يفتح إمكاناً لقراءة مختلفة للعلاقات النسائية داخل العالم الذي يبنيه المسلسل.

لكنّ هذا الإمكان لا يُستثمر دائماً بأقصى طاقته. فالمرأة، رغم حضورها، تعود في أجزاء من الحكاية إلى أدوار مرتبطة بالحب والغيرة والأسرة والعلاقات مع الرجال. ومن ثم كان يمكن للسيناريو أن يمنح الشخصيات النسائية مزيداً من الاستقلال في صناعة القرار، خصوصاً أن العمل نفسه قدم منذ البداية نموذجاً لامرأة توجد في موقع القيادة.

وعلى مستوى الصّراع، تكشف الحكاية عن حضور واضح للبعد الوطني، إذ تربط المعطيات التعريفية للعمل الأحداث بمحاولة الدفاع عن الصحراء المغربية في مواجهة اعتداءات مسلحة مرتبطة بالجزائر، كما تظهر في ملخصات الحلقات إشارات مباشرة إلى هذا الصراع.

وهذا الاختيار يمنح العمل بعداً يتجاوز العلاقات الشخصية داخل القبيلة، ويضع الحكاية في إطار الدفاع عن الأرض والانتماء. غير أن القيمة الفنية لأي عمل يحمل بعداً وطنياً لا تقاس بوضوح موقفه فقط، وإنما بقدرته على تحويل هذا الموقف إلى دراما إنسانية مقنعة.

وهنا كان يمكن للعمل أن يضيف طبقات أكبر إلى شخصيات الخصوم أيضاً. فكلما ازدادت دوافع الشخصيات تعقيداً، ازدادت قوة الصراع فنياً. أما عندما تختزل الشخصية المعادية في وظيفة الخصم، فإن الصراع يصبح واضحاً لكنه يفقد جزءاً من عمقه النفسي.

من الدراما الوطنية إلى سؤال الجماليات

لا ينبغي النّظر إلى «غزي إنيمش» فقط من زاوية ما يرويه، وإنما أيضاً من زاوية ما يضيفه إلى تجربة الدراما المغربية في تمثيل تنوعها الثقافي والجغرافي. فالصحراء المغربية هنا ليست مجرد خلفية للأحداث، والثقافة الحسانية ليست عنصراً زخرفياً منفصلاً، وإنما جزء من عالم مغربي أوسع تتجاور داخله روافد متعددة.

وتكمن جمالية التجربة في محاولتها إخراج الصحراء المغربية من موقع الهامش إلى قلب الحكاية. فالمجال الذي غالباً ما يظهر في الأعمال الدرامية بوصفه فضاءً بعيداً، يصبح هنا مركزاً للأحداث والشخصيات.

لكن الجماليات الصحراوية لا ينبغي أن تتوقّف عند «المنظر». فالصحراء في الفن ليست فقط لوناً ومساحة مفتوحة؛ إنها أيضاً إحساس بالمسافة، والوحدة، والانتظار، والرّحيل، والذّاكرة. وكان يمكن للعمل أن يستفيد بصورة أكبر من هذه الإمكانات، وأن يجعل المكان عنصراً نفسياً ودلالياً يؤثر في الشخصيات، لا مجرد فضاء تتحرك فيه.

كما أنّ العمل يفتح نقاشاً أوسع حول كيفية تقديم الثقافة الحسانية في الدراما المغربية. فالمطلوب ليس مجرد زيادة عدد الأعمال التي تستحضر الصحراء المغربية، وإنما تطوير لغة فنية قادرة على تمثيل هذا الثّراء الثقافي بعمق، بعيداً عن الاختزال الفولكلوري.

و«غزي إنيمش» يضع أمامنا، بهذا المعنى، مجموعة من الأسئلة الفنية المهمة: كيف يتحول التراث إلى دراما؟ كيف يصبح المكان شخصية؟ كيف يمكن بناء شخصيات صحراوية مغربية لا تختزل في الرّموز الجاهزة؟ وكيف يمكن للبعد الوطني أن يتعايش مع التّعقيد الإنساني والجمالي؟

ربما لا يقدّم المسلسل إجابات مكتملة عن جميع هذه الأسئلة، لكنّه يقدّم تجربة جديرة بالتّوقّف عندها، لأنّها تؤكّد أن التّنوّع الثقافي المغربي يمكن أن يكون مادة درامية غنيّة، وأنّ الثقافة الحسانية قادرة على رفد الدراما المغربية بعوالم وشخصيات وحكايات ذات خصوصية واضحة.

وفي المحصلة، فإنّ قيمة «غزي إنيمش» لا تكمن فقط في كونه عملاً استحضر الصحراء المغربية والتراث والعادات، ولا في بعده الوطني، وإنّما في كونه تجربة تكشف الإمكانات الكبيرة التي يتيحها هذا المجال أمام الدراما المغربية، كما تكشف في الوقت نفسه عن الحاجة إلى مزيد من العمق في بناء الشخصيات، وتطوير اللغة البصرية، وتوسيع الاستثمار الفني في الموروث الحساني.

فالصحراء المغربية هنا ليست «فضاءً آخر» خارج المغرب، والثقافة الحسانية ليست هوية معزولة عن الثقافة المغربية؛ إنّهما جزء من صورة مغربية غنية ومتعددة الروافد، تمنح الفن المغربي فرصة لكي يعكس تنوعه الثقافي والجمالي، ولكي يحول الذاكرة المحلية إلى مادة فنية قادرة على مخاطبة جمهور أوسع من دون أن تفقد خصوصيتها.