صوفيا الزاهري – صحافية متدرّبة

 

كشف تحقيق أمريكي متخصّص في الشّؤون الدّفاعية عن ارتفاع ملحوظ في حركة الشّحن الجوّي العسكري الروسي باتّجاه الجزائر خلال الفترة الممتدّة بين مارس 2025 وأبريل 2026، في تطوّر يعكس تنامي التّعاون الاستراتيجي بين البلديْن وتوسّع الحضور الروسي داخل القارّة الإفريقية رغم العقوبات الغربيّة المفروضة على موسكو منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.

ووفق ما أورده موقع أمريكي متخصّص في القضايا العسكرية، فقد تمّ رصد ما لا يقِل عن 167 رحلة شحن جوّي بين روسيا والجزائر خلال عام واحد، ما جعل الجزائر إحدى أبرز المحطّات اللّوجستية التي تعتمد عليها موسكو ضمن شبكات النّقل المرتبطة بأنشطتها العسكرية خارج أراضيها.

وأشار التّحقيق إلى أنّ عددًا كبيرًا من الرّحلات انطلق من منشآت ومطارات مرتبطة بشركة روسية حكومية متخصّصة في تصنيع الطّائرات الحربيّة، قبل التّوجّه إلى قواعد جوّية جزائرية، بالتّزامن مع مواصلة الجزائر تعزيز ترسانتها الجوية عبر اقتناء مقاتلات روسية حديثة، بينها طائرات من طراز “سوخوي 57” و”سوخوي 35″، إضافةً إلى أسطولها الحالي من مقاتلات “سوخوي 30″ و”ميغ 29”.

وربط التّقرير بين تكثيف الرّحلات الجوية وظهور مقاتلات روسية متطوّرة في الأجواء الجزائرية، معتبرًا أنّ هذه المؤشّرات تعزّز فرضية استخدام الجسر الجوّي لنقل تجهيزات وأنظمة تسليح متقدّمة، في ظل استمرار الجزائر ضمن قائمة أكبر مستوردي السّلاح الروسي عالميًا، رغم تراجع صادرات موسكو العسكرية خلال السّنوات الأخيرة.

ونقل التحقيق عن باحثين أمريكيين متخصّصين في تتبّع الأنشطة الروسية أنّ طبيعة الرّحلات ومساراتها تثير تساؤلات بشأن نوعيّة الشّحنات المنقولة، خاصّةً مع اعتماد بعض الطّائرات على إيقاف أجهزة التّتبّع أو تعديل بيانات الرّحلات أثناء التّحليق نحو جنوب الجزائر أو باتّجاه دول إفريقية أخرى.

وبحسب بيانات معهد ستوكهولم الدّولي لأبحاث السّلام، استحوذت روسيا على نحو 73 في المائة من واردات الجزائر العسكرية بين عاميْ 2018 و2022، ما يكرّس موقع موسكو باعتبارها المورّد الرّئيسي للعتاد العسكري الجزائري.

وأوضح التّقرير أنّ الرّحلات شملت عددًا من القواعد الجوية الجزائرية، بينها قواعد تقع في أم البواقي والأغواط وبشار وعنابة، فيما برز مطار “مينيرالين فودي” جنوب روسيا كنقطة عبور رئيسية ضمن هذه العمليّات، نظرًا لموقعه الاستراتيجي الذي يسهّل الرّبط الجوّي نحو إفريقيا والشّرق الأوسط.

ورجّح التّحقيق أنّ الجزائر لا تمثّل فقط وجهة نهائية لشحنات الأسلحة الروسية، بل تؤدّي أيضًا دور منصّة عبور نحو دول تشهد تناميًا في النّفوذ الروسي، خصوصًا في منطقة السّاحل وغرب إفريقيا، حيث تمّ تسجيل رحلات متكرّرة لطائرات شحن روسية نحو غينيا ومالي والنيجر مرورًا بالأراضي الجزائرية.

وأشار التّقرير إلى أنّ غينيا أصبحت إحدى النّقاط المحورية في شبكة التّحرّكات الروسية داخل إفريقيا، في ظل تنامي التّعاون بين موسكو والسّلطات العسكرية هناك، إلى جانب استخدامها ممرًّا لنقل معدّات عسكرية نحو منطقة السّاحل.

وفي السّياق ذاته، اعتبر التّحقيق النيجر ساحة أساسية للتّحرّك الروسي، خاصّةً مع تصاعد نشاط “فيلق إفريقيا” الروسي، الذي خلف مجموعة “فاغنر”، إضافةً إلى المصالح الروسية المرتبطة بقطاع اليورانيوم، مشيرًا إلى رصد طائرات شحن روسية عملاقة تنفّذ رحلات متكرّرة بين الجزائر ونيامي خلال الأسابيع الأخيرة.

كما لفت التّقرير إلى أنّ بعض شركات الطّيران المشاركة في هذه العمليّات تخضع لعقوبات أمريكية وغربيّة، من بينها شركة روسية متّهمة بنقل معدّات عسكرية وقِطع غيار إلى عدّة مناطق حول العالم، بينها إفريقيا وأمريكا اللّاتينية.

وأوضح التّحقيق أنّ موسكو باتت تعتمد بشكل متزايد على شركات طيران مدنية وشبه مدنية لتجاوز القيود الغربيّة، عبر تشغيل رحلات مصنّفة تجارية لكنّها ترتبط بمهام لوجستية وعسكرية، بما يمنحها مرونة أكبر في الحفاظ على خطوط الإمداد نحو شركائها في إفريقيا.

كما امتدّت بعض الرّحلات، وفق التّقرير، إلى دول في أمريكا اللاّتينية عبر مسارات تمر بموريتانيا وغينيا، وشملت وجهات مثل فنزويلا وكوبا والبرازيل والمكسيك وبوليفيا، في مؤشّر على اتّساع نطاق الشّبكات اللّوجستية الروسية العابرة للقارّات.

وفي المقابل، نفت شركات طيران روسية مشاركة في هذه الرّحلات وجود أي ارتباط مباشر بنقل أسلحة أو معدّات عسكرية، مؤكّدةً أنّ نشاطها يقتصر على نقل معدّات وحاويات بصفة قانونية، غير أنّ التّحقيق اعتبر أنّ طبيعة المسارات وتوقيت الرّحلات والوجهات المستخدمة تعزّز فرضيّة ارتباطها بعمليّات دعم عسكرية ولوجستية روسية.