لم يعد اسم جياني إنفانتينو يرتبط فقط بإدارة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، بل أصبح عنوانًا لمرحلة جديدة أعادت رسم ملامح اللعبة الأكثر شعبية في العالم. فمنذ توليه رئاسة الاتحاد سنة 2016، قاد المسؤول السويسري الإيطالي سلسلة من التحولات التي شملت توسيع البطولات الدولية، وزيادة الموارد المالية، وإطلاق برامج تنموية استفادت منها عشرات الاتحادات الوطنية، خاصة في إفريقيا وآسيا. وفي المقابل، واجه انتقادات متكررة من أطراف رأت أن بعض مشاريعه تعكس توجهاً متزايداً نحو توسيع البعد التجاري لكرة القدم، بما يثير أسئلة حول الحوكمة وآليات اتخاذ القرار داخل المؤسسة الكروية الدولية.
وخلال الأيّام الأخيرة، وجد إنفانتينو نفسه مجدداً في قلب النقاش، بعد التراجع عن مقترح إنشاء شركة FIFA Forward Enterprise، وهو مشروع كان يهدف إلى تطوير إدارة بعض الأنشطة التجارية لـ”فيفا” بمشاركة مستثمرين من القطاع الخاص. وقد أثار المقترح نقاشًا واسعًا داخل أوساط كرة القدم، قبل أن يعلن رئيس الاتحاد الدولي سحبه، مؤكداً أن الحفاظ على وحدة أسرة كرة القدم العالمية يظل أولوية تتقدم على أي مشروع إصلاحي.
وتزامنت هذه التطورات مع حضور إنفانتينو إلى المغرب للمشاركة في حفل الاستقبال الذي ترأسه الملك محمد السادس بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش، في مشهد عكس المكانة التي باتت تحتلها المملكة داخل المنظومة الكروية الدولية، كما أعاد تسليط الضوء على العلاقة المتينة التي تربط الاتحاد الدولي بالجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.
من “يويفا” إلى قيادة أعلى هيئة كروية في العالم
قبل وصوله إلى رئاسة “فيفا”، راكم جياني إنفانتينو تجربة طويلة داخل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا)، حيث شغل منصب الأمين العام، وكان من أبرز الوجوه التي أشرفت على تطوير مسابقات الأندية والمنتخبات الأوروبية، كما ارتبط اسمه بإصلاحات تنظيمية وإدارية عززت مكانة “يويفا” ماليًا وتسويقيًا.
وجاء انتخابه رئيسًا لـ”فيفا” سنة 2016 في سياق استثنائي أعقب أزمة الفساد التي أطاحت بعدد من كبار مسؤولي الاتحاد الدولي، وهو ما جعل ولايته الأولى ترتبط برهان استعادة الثقة في المؤسسة، وتعزيز الشفافية، وتوسيع برامج الدعم الموجهة إلى الاتحادات الوطنية.
ومنذ ذلك الحين، عمل إنفانتينو على إعادة صياغة الدور الذي تضطلع به “فيفا”، من خلال رفع قيمة الاستثمارات الموجهة لتطوير البنيات الرياضية، وتوسيع قاعدة المستفيدين من برامج التمويل، إلى جانب إطلاق مشاريع تستهدف تعزيز انتشار كرة القدم في مختلف القارات.
المغرب.. شريك استراتيجي في رؤية إنفانتينو
على امتداد السنوات الأخيرة، برز المغرب باعتباره أحد أبرز الشركاء الذين يحظون باهتمام خاص من الاتحاد الدولي لكرة القدم. فقد أشاد إنفانتينو في أكثر من مناسبة بما حققته المملكة من تطور في البنيات التحتية الرياضية، وبقدرتها على تنظيم المنافسات القارية والدولية، معتبراً أن التجربة المغربية تمثل نموذجًا ناجحًا في الاستثمار الرياضي.
كما عزّزت الإنجازات التي حققتها المنتخبات الوطنية، وفي مقدمتها الوصول التاريخي للمنتخب المغربي إلى نصف نهائي كأس العالم قطر 2022، إضافة إلى النتائج التي حققتها كرة القدم النسوية، من مكانة المغرب داخل أجندة “فيفا”، قبل أن تتوج هذه الدينامية بإسناد تنظيم كأس العالم 2030 للمغرب بشراكة مع إسبانيا والبرتغال.
وفي هذا السياق، حمل حضور إنفانتينو في حفل عيد العرش دلالات تتجاوز الجانب البروتوكولي، إذ يعكس حجم العلاقات التي نسجها الاتحاد الدولي مع المملكة، ويؤكد المكانة التي أصبحت تحتلها الدبلوماسية الرياضية المغربية داخل المشهد الكروي العالمي.
مشروع استثماري أثار نقاشًا واسعًا
ضمن رؤية تستهدف تنويع موارد “فيفا” وتعزيز قدراتها المالية، طُرح خلال الفترة الأخيرة مقترح إنشاء شركة تحمل اسم FIFA Forward Enterprise، تتولى إدارة جزء من الأنشطة التجارية والحقوق المرتبطة ببعض المسابقات الكبرى، مع إمكانية انفتاحها على مستثمرين من القطاع الخاص.
وبحسب التّوضيحات التي قدمها الاتحاد الدولي، كان الهدف من المشروع يتمثل في توفير موارد مالية إضافية تسمح بتوسيع برامج تطوير كرة القدم، خاصة في الاتحادات التي تحتاج إلى دعم أكبر، بما ينسجم مع فلسفة برنامج FIFA Forward الذي أطلقه إنفانتينو منذ سنوات.
غير أن المشروع أثار نقاشًا داخل عدد من الأوساط الكروية، حيث برزت تساؤلات بشأن آليات تنفيذه، وحدود مشاركة المستثمرين الخواص في إدارة الحقوق التجارية المرتبطة بأهم مسابقات “فيفا”. وفي ظل هذه الملاحظات، أعلن إنفانتينو التراجع عن المقترح، مؤكداً أن وحدة الأسرة الكروية الدولية تبقى الاعتبار الأهم، وأن أي إصلاح ينبغي أن يحظى بأوسع توافق ممكن بين الاتحادات الأعضاء.
الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.. دعمٌ لقرار التّراجع حفاظًا على وحدة “فيفا”
في خضم النّقاش الذي رافق مشروع FIFA Forward Enterprise، برز الموقف المغربي بوصفه من أوائل المواقف الرسمية التي تفاعلت مع قرار رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم سحب المقترح. فقد رحب رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فوزي لقجع، بقرار جياني إنفانتينو، معتبراً أن الحفاظ على وحدة أسرة كرة القدم العالمية يظل أولوية تتقدم على أي مشروع إصلاحي، مهما كانت أهدافه أو أهميته.
وأكّدت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، في بلاغ رسمي، أن برامج التنمية التي أطلقها الاتحاد الدولي خلال السنوات الأخيرة، خاصة عبر برنامج FIFA Forward، أحدثت تحولًا ملموسًا في العديد من الاتحادات الوطنية، ولا سيما داخل القارة الإفريقية، حيث ساهمت في تطوير البنيات التحتية، وتأهيل الحكامة الرياضية، وتوسيع قاعدة الممارسة، وهو ما يجعل هذه المكتسبات رصيدًا ينبغي الحفاظ عليه وتعزيزه.
وأضاف البلاغ أن قرار إنفانتينو يعكس مقاربة تقوم على التشاور والتوافق بين مختلف مكونات المنظومة الكروية، بما يكرس روح التماسك داخل “فيفا”، ويجنب المؤسسة الدولية أي انقسام قد يؤثر على مسارها المستقبلي. كما جدد فوزي لقجع دعمه لرئيس الاتحاد الدولي في المبادرات الرامية إلى تطوير كرة القدم على المستوى العالمي، مؤكداً أن وحدة الأسرة الكروية الدولية يجب أن تظل المرجعية الأساسية في اتخاذ القرارات الاستراتيجية.
ويكتسي هذا الموقف أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التي بات يحتلها المغرب داخل مؤسسات كرة القدم العالمية، وإلى العلاقة التي نسجتها الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم مع “فيفا” خلال السنوات الأخيرة، سواء عبر برامج التطوير أو من خلال احتضان المملكة لعدد من التظاهرات الدولية، وصولًا إلى الاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030.
لماذا أثار المشروع كل هذا الجدل؟
ورغم أن الهدف المعلن للمشروع كان يتمثل في تعزيز الموارد المالية المخصصة لتطوير كرة القدم، فإن عدداً من الفاعلين داخل المنظومة الكروية الدولية أبدوا تحفظات بشأن آليات تنزيله، معتبرين أن إشراك مستثمرين من القطاع الخاص في إدارة أنشطة تجارية مرتبطة بـ”فيفا” يستوجب توافقًا أوسع بين الاتحادات القارية والوطنية.
وقد أعاد هذا النقاش إلى الواجهة إحدى القضايا الأكثر حساسية داخل المؤسسات الرياضية الدولية، وهي كيفية تحقيق التوازن بين الحاجة إلى تنويع الموارد المالية، وبين الحفاظ على استقلالية القرار الرياضي وضمان الشفافية في تدبير الحقوق التجارية للمسابقات الكبرى.
وفي هذا السياق، فضّل إنفانتينو التراجع عن المشروع، مؤكداً أن أي إصلاح يفقد عنصر التوافق لا يمكن أن يحقق أهدافه، وهو ما اعتبره عدد من المتابعين خطوة تعكس براغماتية سياسية أكثر من كونه تراجعًا عن رؤية اقتصادية.
قيادة تقوم على التّوسّع… والتّوافق
منذ وصوله إلى رئاسة “فيفا”، اعتمد إنفانتينو مقاربة تقوم على توسيع حضور الاتحاد الدولي عالميًا، سواء عبر زيادة عدد المنتخبات المشاركة في كأس العالم، أو رفع قيمة الاستثمارات الموجهة للاتحادات الوطنية، أو إطلاق مسابقات جديدة وتوسيع أخرى قائمة.
وقد أكسبته هذه السياسة دعماً ملحوظاً داخل إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، حيث استفادت اتحادات كثيرة من برامج التمويل والتطوير، في وقت يرى فيه مؤيدوه أن “فيفا” أصبحت أكثر انفتاحًا على احتياجات الاتحادات خارج أوروبا مقارنة بما كان عليه الوضع في السابق.
في المقابل، لم تخلُ هذه المرحلة من انتقادات، خاصة من أطراف ترى أن تسارع وتيرة الإصلاحات يفرض ضرورة توسيع دائرة التشاور قبل اعتماد مشاريع كبرى تمس مستقبل اللعبة أو نموذجها الاقتصادي.
المغرب وإنفانتينو… علاقة تتجاوز البروتوكول
لم يكن استقبال جياني إنفانتينو ضمن الشخصيات المدعوة إلى حفل الاستقبال الرسمي بمناسبة عيد العرش مجرد حضور رمزي لرئيس هيئة رياضية دولية، بل حمل دلالات ترتبط بالموقع الذي بات يحتله المغرب في خريطة كرة القدم العالمية.
فالمملكة لم يعد يُنظر إليها باعتبارها بلداً منظّماً للتّظاهرات الرّياضية فحسب، بل أصبحت شريكًا رئيسيًا في المشاريع الاستراتيجية لـ”فيفا”، سواء من خلال احتضان المنافسات الدولية، أو عبر مساهمتها في تطوير كرة القدم الإفريقية، أو في إطار التحضيرات الجارية لاستضافة كأس العالم 2030.
كما تعكس العلاقة المتينة بين الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم والاتحاد الدولي تقاطع الرؤى بشأن أهمية الاستثمار في البنية التحتية، وتطوير التكوين، ودعم كرة القدم النسوية، وتوسيع قاعدة الممارسة، وهي ملفات تحظى بأولوية في استراتيجية إنفانتينو منذ توليه رئاسة “فيفا”.
هل خرج إنفانتينو أقوى من الأزمة؟
قد يبدو التّراجع عن مشروع استراتيجي، في الظاهر، مؤشراً على تعثر سياسي أو إداري، غير أن قراءة أوسع تكشف أن اختيار إنفانتينو سحب المقترح بدل الإصرار عليه يعكس إدراكًا لطبيعة المؤسسة التي يقودها، حيث تظل قدرة الرئيس على بناء التوافق بين أكثر من مائتي اتحاد وطني عاملاً حاسمًا في نجاح أي إصلاح.
وفي هذا السياق، تبدو الرسالة التي بعث بها رئيس “فيفا” واضحة؛ فالمشاريع الكبرى، مهما بلغت أهميتها، لا يمكن أن تنجح إذا كانت ستؤدي إلى انقسام داخل أسرة كرة القدم العالمية.
وبينما يواصل إنفانتينو تعزيز حضوره على الساحة الدولية، مستفيدًا من شبكة علاقاته الواسعة ومن النجاحات التنظيمية التي حققتها “فيفا” خلال السنوات الأخيرة، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجهه لن يكون في إطلاق مشاريع جديدة فحسب، بل في الحفاظ على التوازن بين الطموح الاقتصادي، ومتطلبات الحوكمة، واحترام آليات التشاور داخل المؤسسة.
لقد أظهرت هذه المحطة أن شخصية جياني إنفانتينو لا تُختزل في كونه رئيسًا للاتحاد الدولي لكرة القدم، بل باتت تمثل نموذجًا لقيادة تتحرك في فضاء تتداخل فيه الرياضة بالاقتصاد والدبلوماسية والسياسة الدولية. وإذا كان حضوره في المغرب قد عكس حجم التقدير الذي يحظى به داخل عدد من الدول الصاعدة كرويًا، فإن الجدل الذي رافق مشروعه الأخير أكد في المقابل أن مستقبل “فيفا” سيظل رهينًا بقدرتها على المواءمة بين الإصلاح والتوافق، وبين توسيع النفوذ والحفاظ على وحدة اللعبة العالمية.




