تسعى إسبانيا إلى الدفع على المستوى الأوروبي من أجل منح مدينتي سبتة ومليلية وضع «مناطق أقصى الهامش» داخل الاتحاد الأوروبي، في خطوة تأتي على خلفية التطورات الأمنية والسياسية التي شهدتها المدينتان، ولا سيما بعد موجة الهجرة الجماعية التي عرفتها سبتة في نهاية يوليوز، وما رافقها من تصريحات متبادلة بين مسؤولين مغاربة وإسبان بشأن وضع المدينتين.

وأعلن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز عزم مدريد التحرك لدى مؤسسات الاتحاد الأوروبي بهدف الاعتراف بسبتة ومليلية ضمن هذا التصنيف، في مسعى يتجاوز البحث عن امتيازات اقتصادية أو ضريبية، ليرتبط أيضاً بمحاولة تعزيز الإطار القانوني والمؤسساتي الأوروبي لوضع المدينتين الخاضعتين للسيطرة الإسبانية.

ولا يمكن لإسبانيا اتخاذ هذا القرار بشكل منفرد، إذ يتطلب تغيير وضع المدينتين مساراً تشريعياً على مستوى الاتحاد الأوروبي، يبدأ بتقديم مقترح إلى المفوضية الأوروبية، ثم استشارة البرلمان الأوروبي، قبل أن يخضع التعديل لاعتماد الدول الأعضاء بالإجماع، باعتبار أن الأمر يرتبط بتعديل أحكام معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي.

ويعكس اختيار هذا المسار الأوروبي رغبة مدريد في إضفاء مزيد من الرسوخ على وضع سبتة ومليلية داخل المنظومة القانونية للاتحاد، من خلال ربط المدينتين بشكل أوثق بالأطر والمؤسسات الأوروبية، بما قد يمنح وضعيتهما طابعاً أوروبياً أكثر وضوحاً إلى جانب ارتباطهما بإسبانيا.

المغرب يجدد التأكيد على مطالبه

وتأتي الخطوة الإسبانية في ظل استمرار المغرب في التأكيد على أن سبتة ومليلية ثغران مغربيان واقعان تحت الاحتلال الإسباني، وهو الموقف الذي عبّر عنه مسؤولون مغاربة في مناسبات مختلفة.

وكان وزير العدل عبد اللطيف وهبي قد أكد مغربية المدينتين، فيما تحدث وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، بحضور الملك محمد السادس، عن ضرورة تحرير الثغور، في إشارة إلى سبتة ومليلية.

كما أكد وزير التجهيز والماء والأمين العام لحزب الاستقلال نزار بركة بدوره موقف المغرب بشأن مغربية المدينتين، ما أبقى القضية حاضرة في الخطاب السياسي المغربي بالتزامن مع التحرك الإسباني على المستوى الأوروبي.

ما المقصود بـ«مناطق أقصى الهامش»؟

ويقصد بوضع «مناطق أقصى الهامش» أقاليم تابعة لدول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، لكنها تواجه ظروفاً جغرافية واقتصادية وهيكلية خاصة، تبرر اعتماد ترتيبات مختلفة عن تلك المطبقة في باقي المناطق الأوروبية.

وتشمل هذه المناطق حالياً جزر الكناري الإسبانية، وجزر الأزور وماديرا التابعتين للبرتغال، إضافة إلى غوادلوب وغويانا الفرنسية ومارتينيك وريونيون ومايوت وسان مارتان التابعة لفرنسا.

وتنص معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي على مجموعة من الظروف الهيكلية والدائمة التي يمكن أن تبرر هذا الوضع، من بينها العزلة الجغرافية، والطابع الجزيري، ومحدودية المساحة، وصعوبة التضاريس والمناخ، إلى جانب التبعية الاقتصادية.

وبموجب المادة 349 من المعاهدة، يمكن للاتحاد الأوروبي اعتماد تدابير خاصة لفائدة هذه الأقاليم، بما يتيح لها الاستفادة من ترتيبات لا تطبق بالضرورة على باقي مناطق الاتحاد.

ويشمل ذلك إمكانية الاستفادة من مستويات أعلى من التمويل المشترك عبر الصناديق الأوروبية، وبرامج واعتمادات مالية خاصة، إلى جانب آليات موجهة لقطاعات من بينها الزراعة والصيد البحري، فضلاً عن إمكانية الإبقاء على أنظمة ضريبية وجمركية خاصة تراعي خصوصية كل إقليم.

وتبرز جزر الكناري مثالاً على هذه الترتيبات، إذ تتمتع بنظام ضريبي خاص يختلف عن النظام المعمول به في إسبانيا، إلى جانب ترتيبات جمركية واقتصادية مرتبطة بوضعها كمنطقة من مناطق أقصى الهامش.

عقبة الجغرافيا أمام المقترح الإسباني

ورغم ما يمكن أن يتيحه هذا التصنيف من ترتيبات خاصة، فإن إدراج سبتة ومليلية ضمن القائمة الحالية يواجه إشكالاً يرتبط بخصوصيتهما الجغرافية.

فالمدينتان لا تقعان على مسافات بعيدة جداً عن القارة الأوروبية، كما أنهما لا تتمتعان بالطابع الجزيري الذي يميز غالبية الأقاليم المصنفة حالياً ضمن «مناطق أقصى الهامش».

ويضع هذا الاختلاف المقترح الإسباني أمام مسار أوروبي معقد، في وقت تحاول فيه مدريد تعزيز ارتباط سبتة ومليلية بالإطار القانوني والمؤسساتي للاتحاد الأوروبي، بينما يواصل المغرب التأكيد على مطالبه بشأن المدينتين.

وبذلك، لا يقتصر الرهان الإسباني على الحصول على ترتيبات اقتصادية أو مالية خاصة، بل يرتبط أيضاً بالسعي إلى ترسيخ وضع سبتة ومليلية داخل المنظومة الأوروبية، في ظل استمرار الخلاف السياسي حول وضعهما بين الرباط ومدريد.