تشهد أسواق بيع الأضاحي في المغرب هذا الموسم تحوّلات تنظيمية واسعة مع اقتراب عيد الأضحى، في إطار توجّه رسمي يهدف إلى إحكام مراقبة القطاع والحد من مظاهر البيع العشوائي التي كانت تنتشر خلال السّنوات الماضية داخل الأحياء السّكنية والأزقّة والفضاءات غير المهيكلة، وسط تحذيرات مهنية من انعكاس كلفة التّنظيم الجديدة على أسعار الأضاحي.

وأطلقت وزارة الفلاحة والصّيد البحري والتّنمية القروية والمياه والغابات سلسلة إجراءات تنظيمية وصحّية شملت تعزيز المراقبة البيطرية وتتبّع مسار الماشية والأعلاف ومواد التّسمين، إلى جانب توسيع شبكة الأسواق المخصّصة للبيع ومنع تسويق الأغنام داخل الأحياء السّكنية، في خطوة تروم إعادة هيكلة أحد أكبر الأنشطة الموسمية بالمملكة.

وقال وزير الفلاحة أحمد البواري إنّ السّلطات أحصت نحو 565 سوقًا مخصّصة لبيع الماشية بمختلف جهات البلاد، بينها 35 سوقاً مؤقّتًا أشرفت الوزارة على تهيئتها، إضافةً إلى مئات الأسواق التي جرى تجهيزها من طرف الجماعات التّرابية ونقط للبيع المباشر داخل الأسواق الكبرى، بهدف ضمان تموين الأسواق وتحسين ظروف التّسويق قبل عيد الأضحى.

وأكّد الوزير أنّ التّدابير المعتمدة تشمل أيضًا تتبّع حركة القطيع الموجّه للذّبح وتعزيز مراقبة الأعلاف والمواد المستعملة في التّسمين، مشيرًا إلى إصدار دوريّة مشتركة بين وزارتيْ الفلاحة والدّاخلية منذ مطلع العام الجاري لتشديد الرّقابة على المواد المستعملة في تغذية الأضاحي، مع إخضاع نقل فضلات الدّواجن لنظام ترخيص مسبق لتفادي استعمالها بطرق غير قانونية في عمليّات التّسمين.

وفي السّياق ذاته، أفادت معطيات رسميّة بأنّ المصالح البيطرية التّابعة للمكتب الوطني للسّلامة الصّحية للمنتجات الغذائية “أونسا” سجّلت، إلى غاية 12 ماي 2026، ما يقارب 162 ألف وحدة لتسمين الأغنام والماعز، في مؤشّر على الحجم الكبير للنّشاط الاقتصادي المرتبط بسوق الأضاحي بالمغرب.

وبالتّوازي مع الإجراءات الحكومية، شرعت جماعات ترابية بعدد من المدن في تطبيق قرارات تمنع بيع الأضاحي داخل الشّوارع والأحياء السّكنية و”الكراجات”، مع حصر عمليّات البيع داخل الأسواق الأسبوعية والرّسمية والأسواق المؤقّتة المخصّصة لهذه المناسبة، مع تكليف السّلطات المحلية والأمنية بالسّهر على تنفيذ هذه التّدابير واتّخاذ إجراءات ضد المخالفين.

وتأتي هذه الخطوات استجابةً لشكاوى متكرّرة بشأن انتشار الفوضى واحتلال الملك العمومي وتراكم النّفايات والمخلّفات المرتبطة ببيع المواشي داخل الأحياء، فضلاً عن المخاوف الصحّية النّاتجة عن غياب المراقبة البيطرية الدّقيقة في نقاط البيع العشوائية.

ورغم ترحيب مهنيّين ومربّين بهذه الإجراءات من حيث المبدأ، فإنّهم يعتبرون أنّ التّنظيم الجديد يفرض أعباء مالية إضافية على الكسّابة، خاصّةً صغار المربّين الذين كانوا يعتمدون سابقًا على البيع المباشر لتقليص تكاليف التّسويق والنّقل والكراء.

وقال الخبير الفلاحي والكسّاب جامع أوفقير إنّ تنظيم القطاع خطوة ضرورية لإنهاء الفوضى وحماية المستهلك، لكنّه شدّد على ضرورة تخفيف الأعباء المالية المرتبطة بالولوج إلى الأسواق المنظّمة، معتبرًا أنّ الرّسوم وتكاليف الخدمات اللّوجستية والحراسة تنعكس بشكل مباشر على السّعر النّهائي للأضحية.

وأوضح أنّ مربّي الماشية يواجهون منذ سنوات ارتفاعًا متواصلاً في تكاليف الأعلاف والمحروقات والنّقل والرّعاية البيطرية، بالتّزامن مع تداعيات الجفاف وتراجع المراعي الطّبيعية، ما أدّى إلى زيادة كلفة تربية القطيع مقارنةً بالمواسم السّابقة.

ويرى مهنيّون أنّ وفرة العرض التي تتحدّث عنها الحكومة لا تعني بالضّرورة انخفاض الأسعار، في ظل استمرار دور الوسطاء والمضاربة الموسمية داخل السّوق، حيث تمر الأضحية أحيانًا عبر عدة وسطاء قبل وصولها إلى المستهلك، الأمر الذي يرفع هامش الأرباح ويزيد من الأسعار النّهائية.

ويحذّر فاعلون في القطاع من أنّ التّحوّل نحو سوق أكثر تنظيمًا قد يساهم تدريجيًا في تقليص حضور صغار الكسّابة لفائدة فاعلين كبار يمتلكون إمكانيات مالية ولوجستية أكبر، ما قد يؤدّي مستقبلاً إلى مزيدٍ من تركّز النّشاط التّجاري داخل القطاع.

ويأتي ذلك في وقت يواصل فيه قطاع تربية الماشية مواجهة ضغوط قويةّ بسبب توالي سنوات الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف وتراجع الموارد الرّعوية، وهي عوامل دفعت عددًا من صغار المربّين إلى تقليص نشاطهم أو مغادرة القطاع خلال السّنوات الأخيرة.

وفي ظل استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار المواد الأساسية والخدمات، تتحوّل الأضحية بالنّسبة لشريحة واسعة من الأسر المغربية إلى عبء مالي متزايد، رغم ما تمثّله من رمزيّة دينية واجتماعية راسخة داخل المجتمع المغربي.