رغم تعذّر اعتماد المشروع الأمريكي المتعلق بالصحراء داخل مجلس الأمن، عقب استخدام روسيا حق النقض، أفرزت جلسة التصويت مؤشراً سياسياً لافتاً تمثل في حصول المشروع على دعم 11 عضواً من أصل 15. وتفتح هذه الحصيلة، إلى جانب المواقف التي عبرت عنها عدد من الدول خلال المناقشات، المجال أمام مرحلة دبلوماسية جديدة، عنوانها الأساسي استثمار التأييد الدولي لمقترح الحكم الذاتي وتحويله إلى خطوات ملموسة في مسار التسوية.

وفي هذا السّياق، شدّد بلاغ الديوان الملكي، الصّادر مساء الجمعة، على مواصلة المغرب تحركاته الدبلوماسية على المستويين الثنائي والإقليمي، مستنداً إلى ما وصفه بالدينامية الدولية التي أفضت إلى حشد تأييد أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتبارها الإطار الوحيد الكفيل بإيجاد حل للنزاع.

ويضع هذا التوجّه الرباط أمام استحقاق يتجاوز تسجيل مواقف التأييد، نحو تقييم طبيعة الالتزامات التي يمكن أن تترتب عنها، ومدى استعداد الدول الداعمة للانتقال من المواقف السياسية إلى المساهمة الفعلية في دفع العملية السياسية، مع مراعاة التباين القائم في تصوراتها بشأن الحل النهائي.

تباين المواقف لا يلغي دلالة التصويت

وعلى الرغم من سقوط المشروع الأمريكي، فإن المواقف التي أعقبت التصويت أظهرت أن عدم اعتماد النص لم ينهِ النقاش بشأن مضامينه أو أهميته في تحريك المسار السياسي.

فقد أكّدت المندوبة البريطانية لدى الأمم المتحدة، سارة ماكنتوش، تمسك بلادها بالمسار الذي طرحه المشروع الأمريكي، داعية الدول التي لم تصوت لصالحه إلى اعتماد مضامينه أساساً للعمل من أجل التوصل إلى تسوية. كما استحضرت حصول النص على تأييد 11 عضواً، في إشارة إلى الوزن السياسي الذي اكتسبه داخل المجلس، رغم عدم تحوله إلى قرار أممي.

ومن جهته، جدّد المندوب الأمريكي مايك والتز التأكيد على أن استمرار الوضع القائم ليس خياراً مقبولاً، معلناً استعداد واشنطن لمواصلة التنسيق مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة والأطراف المعنية، بهدف التفاوض بشأن سلام دائم. ويعكس هذا التصريح رغبة أمريكية في مواصلة الانخراط الدبلوماسي، دون أن يتضمن تحديداً لطبيعة الخطوات التي ستعتمدها الإدارة الأمريكية في المرحلة المقبلة.

وفي موقفها، أكّدت فرنسا أن مستقبل الصحراء يندرج ضمن إطار السيادة المغربية، معتبرة مبادرة الحكم الذاتي الأساس الوحيد لاستئناف المناقشات الرامية إلى التوصل إلى تسوية عادلة ودائمة عن طريق التفاوض.

أمّا المملكة المتحدة، فقد وصفت المقترح المغربي بأنه الأساس الأكثر مصداقية وواقعية وقابلية للتطبيق من أجل بلوغ حل مستدام، مع التّشديد في الوقت نفسه على ضرورة أن تفضي المفاوضات إلى تسوية يقبل بها الأطراف وتتيح ممارسة حق تقرير المصير تحت السيادة المغربية.

وفي المقابل، حرصت لاتفيا على توضيح حدود موقفها، مؤكّدةً أن تصويتها لصالح المشروع الأمريكي لا يعني اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء، كما لا يمثل تبنياً مسبقاً للحكم الذاتي باعتباره النتيجة النهائية للمسار السياسي.

وتبرز هذه المواقف أن القاسم المشترك بين الدول المصوتة لصالح المشروع لا يعني بالضرورة اتفاقها بشأن جميع جوانب النزاع، إذ تختلف طبيعة الدعم المعلن وحدوده من دولة إلى أخرى، وهو ما يجعل تقييم المواقف الفردية عنصراً أساسياً في تحديد حجم المكاسب الدبلوماسية الممكنة.

القرار 2797 مرجعية قائمة في حسابات المرحلة المقبلة

وفي قراءته لدلالات هذه التطورات، اعتبر مدير مركز الصحراء وإفريقيا للدراسات الاستراتيجية، عبد الفتاح الفاتحي، في تصريح أدلى به لإحدى المنصات الاعلامية الوطنية، أنّ التصويت لصالح المشروع الأمريكي يعكس توجهاً داخل مجلس الأمن نحو الدفع باتجاه تسريع التسوية السياسية، مشيراً إلى أن أهمية هذه النتيجة ترتبط أيضاً بالتراكم الذي حققته المبادرة المغربية للحكم الذاتي في أوساط المجتمع الدولي.

وربط الفاتحي هذه الحصيلة بالمرجعية التي أرسى دعائمها القرار الأممي رقم 2797، معتبراً أن تعذر تمرير المشروع الأمريكي لا يلغي المكاسب السياسية والدبلوماسية التي راكمها المغرب، ولا ينتقص من أهمية التأييد الذي حظيت به المبادرة المغربية داخل مجلس الأمن.

ويكتسب هذا المعطى أهميته من كون القرار 2797 نص على إجراء المفاوضات على أساس المقترح المغربي، وهو ما اعتبره المتحدث أرضية يمكن البناء عليها في المرحلة المقبلة.

وأضاف الفاتحي أن اعتماد حكم ذاتي حقيقي من شأنه أن يشكل أحد الحلول الأكثر قابلية للتحقق، في إطار تسوية نهائية تحظى بقبول الأطراف وتتيح ممارسة تقرير المصير. ويقتضي هذا التصور التمييز بين المرجعية التي تضمنها القرار 2797 وبين التفاصيل التي وردت في المشروع الأمريكي الذي لم يتمكن من الحصول على الاعتماد داخل المجلس.

الرهان الدبلوماسي.. من توسيع التأييد إلى تجسيده ميدانياً

ومع إعلان الرباط مواصلة تحركاتها الثنائية والإقليمية، تتجه الأنظار إلى كيفية تدبير المرحلة المقبلة، خصوصاً فيما يتعلق بتثبيت مواقف الدول التي أعلنت دعمها للمبادرة المغربية، وتوسيع دائرة التأييد لتشمل أطرافاً ما تزال تتبنى مواقف أكثر تحفظاً.

ويظل تطوير العلاقات مع الشركاء الدوليين، واستكشاف فرص التعاون بشأن الدفع بالعملية السياسية، من بين المسارات التي يمكن أن تمنح هذا الرصيد الدبلوماسي قيمة إضافية. غير أن بلاغ الديوان الملكي لم يعلن عن إجراءات تنفيذية محددة أو عن تشكيل تحالفات جديدة، ما يجعل تقييم طبيعة التحرك المقبل مرتبطاً بما ستكشف عنه المبادرات والمواقف اللاحقة.

ولا يقتصر تباين مواقف الدول على تصورها للحل السياسي، بل يمتد أيضاً إلى طبيعة الآليات الدولية التي تعتبرها ضرورية لمواكبة المسار. وفي هذا الإطار، شدّدت فرنسا على أهمية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء “المينورسو” في الحفاظ على الاستقرار وتوفير مناخ الثقة الضروري لإحراز تقدم سياسي.

ويعكس ذلك أن مساندة المبادرة المغربية لا تعني بالضرورة تطابقاً في وجهات النظر بشأن جميع الآليات الأممية المرتبطة بالنزاع، كما أن المواقف التي صدرت عن ممثلي الدول خلال جلسة مجلس الأمن، والتي سبقت بلاغ الديوان الملكي، لا يمكن اعتبارها إقراراً مسبقاً بمختلف التوجهات التي قد يعتمدها المغرب في تحركاته اللاحقة.

وفي ما يتعلق بسبل استثمار التأييد الدولي، رجح الفاتحي استمرار التنسيق المغربي مع الولايات المتحدة وفرنسا وبقية الدول المساندة للمبادرة، سواء داخل المؤسسات الدولية أو خارجها، بهدف الوصول إلى تسوية نهائية تحت مظلة الأمم المتحدة.

كما طرح إمكانية مساهمة الشركاء الدوليين في دعم تنزيل مقتضيات الحكم الذاتي، حتى في ظل عدم قبول الأطراف الأخرى، معتبراً أن استمرار الوضع الحالي لم يعد خياراً قابلاً للاستمرار.

وبين الحصيلة التصويتية داخل مجلس الأمن والتحركات الدبلوماسية المنتظرة، يبقى التحدي الأساسي أمام المغرب هو الانتقال من تسجيل مواقف التأييد إلى بناء التزامات سياسية وعملية أكثر وضوحاً. فالأصوات الإحدى عشرة تمنح المشروع الأمريكي ثقلاً سياسياً، لكنّها لا تشكّل في حدّ ذاتها ضمانة لتحرّكات مستقبلية، الأمر الذي يجعل قياس النجاح الدبلوماسي مرتبطاً بمدى قدرة الرباط وشركائها على ترجمة هذا التقاطع الدولي إلى خطوات ملموسة تخدم مسار التسوية.