أثار قرار المغرب تعليق تصدير السّردين المجمّد إلى الخارج اضطراباً داخل قطاع الصّناعات السّمكية في إسبانيا، بعدما وجدت مصانع التّعليب، خاصّةً في إقليم “غاليسيا”، نفسها أمام تراجع مفاجئ في الإمدادات ومخزونات محدودة يُتوقّع أن تكفي لأسابيع فقط.
وجاء هذا التّطوّر عقب إعلان كاتبة الدّولة المكلّفة بالصّيد البحري، زكية الدريوش، وقف تصدير السّردين المجمّد ابتداءً من الأوّل من فبراير، في خطوة برّرتها الرباط بالحاجة إلى حماية السّوق المحلية وضمان وفرة هذا المنتج للمستهلك المغربي، إضافةً إلى الحد من ارتفاع الأسعار في ظل تقلّبات العرض والطّلب، خاصّةً مع تزايد الاستهلاك خلال شهر رمضان.
ورغم أنّ القرار المغربي استهدف بالأساس تنظيم السّوق الدّاخلية، إلّا أنّ تداعياته ظهرت سريعاً في الضفّة الشّمالية للمتوسّط، حيث تعتمد صناعة التّعليب الإسبانية بشكل كبير على السّردين القادم من السّواحل المغربية لتأمين جزء مهم من حاجياتها الصّناعية.
وبحسب معطيات صادرة عن هيئة ANFACO‑CYTMA، التي تمثّل قطاع الصّناعات البحرية التّحويلية في إسبانيا، بلغت واردات مدريد من السّردين المجمّد المغربي نحو 27,400 طن خلال الفترة الممتدّة بين يناير وأكتوبر 2025، وهو ما يمثّل حوالي 94 في المائة من إجمالي واردات إسبانيا من هذا المنتج من خارج الاتّحاد الأوروبي.
وتحذّر أوساط مهنية وإعلامية إسبانية من أنّ استمرار توقّف الإمدادات قد ينعكس على نشاط المصانع وعلى سوق العمل داخل القطاع، خصوصاً في منطقة “غاليسيا” التي تُعد مركزاً رئيسياً لصناعة تعليب الأسماك في البلاد. وتشير التّقارير إلى أنّ المصانع تواصل العمل حالياً بالاعتماد على المخزون المتوفّر، في انتظار وضوح الرّؤية بشأن مصادر التّوريد خلال الأشهر المقبلة.
وتواجه الصّناعة الإسبانية، أيضاً، صعوبات في إيجاد بدائل فوريّة لتعويض السّردين المغربي. فحصّة الصّيد المخصّصة لإسبانيا من السّردين الإيبيري خلال عام 2025 بلغت نحو 17,332 طنّاً، منها أكثر من 10 آلاف طن مخصّصة لأساطيل الشّمال الغربي، غير أنّ توفّر الحصّة لا يضمن بالضّرورة إمدادات منتظمة بالكميّة والجودة المطلوبة للقطاع الصّناعي.
كما أنّ التّوصيات العلمية الصّادرة عن المجلس الدّولي لاستكشاف البحار، تشير إلى ضرورة خفض المصطادات في المنطقة الإيبيرية إلى نحو 38,978 طنّاً خلال عام 2026، وهو مستوى أقل من الحصص التي اعتمدتها إسبانيا والبرتغال في العام السّابق، ما يزيد من تعقيد وضع الإمدادات.
وفي موازاة ذلك، يبرز بُعد تنافسي في النّقاش الدّائر داخل الأوساط الصّناعية الإسبانية، إذ يشير مهنيّون إلى أنّ المغرب لا يقتصر دوره على تصدير المادّة الخام، بل يعزّز أيضاً حضوره في سوق المنتجات النّهائية. فقد استورد الاتّحاد الأوروبي أكثر من 17,500 طن من تحضيرات ومعلّبات السّردين المغربية خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، ما يمثّل نحو 89 في المائة من واردات الاتّحاد من خارج المنظومة الأوروبية في هذه الفئة.
وفي المقابل، لم يتجاوز إنتاج إسبانيا من معلّبات السّردين حوالي 13,503 أطنان خلال عام 2024، وهو ما يفسّر القلق المتزايد لدى المصنّعين الإسبّان من تأثير التّحوّلات في سياسة التّصدير المغربية على توازن السّوق الأوروبية.
وبينما ترى الرباط في القرار خطوة سيادية تهدف إلى توجيه الثّروة البحرية لخدمة الأمن الغذائي والصّناعة الوطنية، تعتبره بعض الأوساط المهنية في إسبانيا إجراءً يهدّد استقرار سلاسل التّوريد التّقليدية، التي اعتمدت عليها الصّناعة الإسبانية لسنوات طويلة.




