يضم هذا الكتاب مجموعة من المقالات والدراسات التحليلية التي تتناول إشكاليات الدولة والمجتمع في المغرب و العالم العربي ضمن منظور نقدي يجمع بين التحليل السياسي و السوسيولوجي و الفلسفي. نصوصه تشتغل بأسئلة الديمقراطية، والانتقال السياسي، وإصلاح الدولة، وحدود التحديث في سياقات تاريخية وثقافية مركّبة، مع التركيز على التجربة المغربية منذ الاستقلال وصولاً إلى دستور 2011 وما تلاه.

إضافة إلى أهمية موضوع تحليل مسار دمقرطة النظام السياسي المغربي، فإن البحث في ثيمات ذات بعد عالمي وإنساني مثل حقوق المرأة والقضية الفلسطينية والعولمة، حظيت هي الأخرى باهتمام يتناسب مع دوافع الإرادة الفكرية وراء هذا المؤلف والساعية إلى البحث في أسباب أزمات المجتمعات الإنسانية وفق رؤية استشرافية تتشبث بالتفاؤل من أجل معالجة عوامل هذه الأزمات التي تعكس حجم المفارقات التي اتسم بها مسار تطورها التاريخي.

لا يجب أن ننسى أنه رغم كل مظاهر التطور المادي أو التكنولوجي للمجتمعات تظل بواعث القلق الوجودي للإنسان قائمة، ومعها حيرة هذا الأخير في خضم بحثه عن معنى لوجوده داخل عالم مادي مضطرب ومتقلب بفعل التأثيرات السلبية للنيوليبرالية الاقتصادية والأثار العكسية للتقدم التكنولوجي. فقد ساهمت هذه الأخيرة في إضعاف الرصيد القيمي والإنساني للديمقراطيات الليبرالية كما أدت إلى تدعيم ركائز الأنظمة السلطوية سواء بالعالم العربي أو بمناطق أخرى من العالم، وذلك من خلال تزويديها بتقنيات جديدة للسيطرة والتحكم ساعدت هذه الأنظمة على ضمان استمرارية دولنتها للمجتمع وتحييد قوته السياسية.

لا بد من الإشارة إلى أن منطلق كل بحث هو عبارة عن أسئلة عميقة وملاحظات ميدانية تعكس رغبة الباحث في كسر جدار الصمت الذي يفصله عن فهم تعقد مكونات الواقع السياسي أو الاجتماعي، والذي كلما توسع حجم بِنياته المادية إلا وازدادت عملية التشخيص صعوبة. فالتساؤل المستمر والنقد الموضوعي يعتبران من أهم الوسائل التي تجعلنا في تواصل دائم مع هذا الواقع، إذ لا يمكن تفكيك ديناميته بدون التوفر على آليات تحليلية قادرة على معاينتها بدقة وعن كثب.

في الختام، المؤلف لا يدعي تقديم أجوبة جاهزة بقدر ما يفتح أفقا للتفكير النقدي، ويقترح على القارئ أدوات لفهم تعثّر الإصلاح وحدود التحول الديمقراطي، ودور المثقف في مسائلة السلطة والدفاع عن القيم الإنسانية الكونية، في زمن تتقاطع فيه التحولات المحلية مع رهانات عالمية عميقة.