لا تزال أسعار المحروقات في المغرب تتصدّر النّقاشيْن السّياسي والاجتماعي، رغم الانخفاض النّسبي الذي سجّلته خلال النّصف الثّاني من شهر ماي، في ظل استمرار الانتقادات الموجّهة إلى شركات التّوزيع بشأن مستويات الأرباح المحقّقة، مقابل تنامي المخاوف من انعكاسات الأسعار المرتفعة على القدرة الشّرائية وتكاليف المعيشة.
وبحسب المعطيات المسجّلة بمحطّات الوقود، يتراوح سعر لتر الغازوال حاليا ما بين 14.45 و14.55 درهما، فيما يتأرجح سعر البنزين الممتاز بين 14.35 و14.45 درهما، مع تفاوت محدود بحسب المدن وشركات التّوزيع.
ورغم تراجع الأسعار مقارنةً بالفترة التي تجاوزت فيها عتبة 15.50 درهما للّتر خلال شهريْ مارس وأبريل الماضييْن، يرى مهنيّون وخبراء أنّ المستويات الحالية لا تزال مرتفعة مقارنةً بتطوّرات أسعار النّفط في الأسواق الدّولية.
وفي هذا السّياق، اعتبر الحسين اليماني، الكاتب العام للنّقابة الوطنية لصناعات البترول والغاز ورئيس الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول، أنّ السّعر الذي يصفه بـ”العادل” خلال النّصف الثّاني من ماي لا ينبغي أن يتجاوز 14 درهما للّتر الواحد بالنّسبة إلى الغازوال والبنزين، استنادًا إلى آلية التّسعير المعتمدة قبل تحرير القطاع سنة 2015، ودون اللّجوء إلى دعم صندوق المقاصة.
وأوضح اليماني أنّ أي زيادة فوق هذا المستوى تتحوّل، بحسب تقديره، إلى أرباح إضافية لفائدة الفاعلين في القطاع، مشيرًا إلى أنّ الأرباح المتراكمة لشركات المحروقات بلغت، وفق تقديرات نقابية، أكثر من 90 مليار درهم مع نهاية سنة 2025.
ويعيد استمرار الجدل حول الأسعار إلى الواجهة ملف تحرير سوق المحروقات، الذي دخل حيّز التّنفيذ أواخر سنة 2015، بعدما برّرت الحكومة القرار آنذاك بتخفيف العبء المالي عن صندوق المقاصة وتعزيز المنافسة داخل السّوق الوطنية.
غير أنّ منتقدي هذا التّوجّه يعتبرون أنّ التّحرير أدّى إلى توسيع هوامش أرباح شركات التّوزيع دون توفير آليات فعّالة لضبط الأسعار أو حماية المستهلك من تقلّبات السّوق الدولية.
وبحسب المعطيات التي قدّمها اليماني، فإنّ كلفة الغازوال في السّوق الدّولية، بعد إضافة مصاريف النّقل والتّخزين والتّأمين والرّسوم التّقنية، تظل دون مستوى الأسعار المعتمدة بمحطّات الوقود، وهو ما يعزوه إلى ارتفاع العبء الضّريبي وهوامش الرّبح التي يعتبرها “مرتفعة”.
وأشار إلى أنّ الضّرائب تشكّل جزءًا مهمًّا من السّعر النّهائي للمحروقات، في وقت تستفيد فيه شركات التّوزيع من هامش أرباح يتجاوز، بحسب تقديراته، المعدّلات المعمول بها في عدد من الأسواق الدّولية.
ويأتي هذا النّقاش في سياق اقتصادي يتّسم بارتفاع تكاليف المعيشة، حيث يعتبر مهنيّون أنّ أسعار الغازوال تؤثّر بشكل مباشر على كلفة النّقل وسلاسل التّوزيع والإنتاج، بما ينعكس على أسعار المواد الغذائية والخدمات.
وحذّر اليماني من استمرار انعكاسات أسعار المحروقات على التّضخّم وتراجع القدرة الشّرائية للأسر، معتبرًا أنّ هذا الوضع يفرض مراجعة شاملة للسّياسة الطّاقية بالمغرب.
كما دعا إلى إعادة النّظر في قرار تحرير الأسعار، ووضع سقف لهوامش الأرباح، إلى جانب تخفيف العبء الضّريبي وإحياء نشاط التّكرير المحلي عبر مصفاة “سامير”، التي توقّفت عن العمل منذ سنة 2015.
ويعتبر مدافعون عن إعادة تشغيل المصفاة أنّ غياب التّكرير المحلي زاد من تبعية المغرب للاستيراد وتقلّبات الأسواق الخارجية، في ظل الأزمات الجيوسياسية التي شهدتها أسواق النّفط خلال السّنوات الأخيرة.
في المقابل، تؤكّد الحكومة أنّ أسعار المحروقات ترتبط أساسًا بتقلّبات السّوق الدّولية وبمستوى الضّرائب المطبّقة، معتبرةً أنّ العودة إلى نظام الدّعم الشّامل ستفرض أعباء إضافية على المالية العمومية.
ورغم ذلك، يتواصل الجدل بشأن فعّالية آليات مراقبة السّوق، خصوصًا مع استمرار الأسعار فوق مستوى 14 درهما للّتر، رغم التّراجع النّسبي لأسعار النّفط عالميًا.




