تواصل الطّائرات بدون طيّار ترسيخ مكانتها كأحد أبرز محدّدات الحروب المعاصرة، بعدما أثبتت فعّاليتها المتزايدة في النّزاعات الحديثة، خاصّةً في التّصعيد العسكري الأخير بمنطقة الشّرق الأوسط، حيث برز استخدامها بشكل لافت ضمن المواجهة التي تشمل إسرائيل وإيران، وفق ما أوردته صحيفة نيويورك تايمز.
ويُظهِر هذا النّمط من التّسليح، بحسب المصدر ذاته، تحوّلًا نوعيًّا في طبيعة الصّراعات، إذ تمكّنت الطّائرات المسيّرة منخفضة التّكلفة من إحداث تأثيرات عسكرية كبيرة، تفوق بكثير كلفتها، مع قدرتها على إنهاك أنظمة دفاع متطوّرة عبر خلق معادلة استنزاف غير متكافئة.
في هذا السّياق، تبدو الخيارات التي انتهجها المغرب خلال السّنوات الأخيرة في مجال تطوير قدرات الطّائرات المسيّرة منسجمة مع التّحوّلات العالمية، حيث راهنت الرباط مبكّرًا على هذا المجال، إدراكًا منها لأهمّية الابتكار وتقليص التّكاليف في تحقيق التّفوّق العسكري، بدل الاعتماد الحصري على تضخّم التّرسانة.
وتشير المعطيات إلى أنّ الفارق الكبير بين تكلفة إنتاج الطّائرات المسيّرة وتكلفة وسائل اعتراضها يمنح الأفضلية للطّرف الذي يمتلك هذه التّكنولوجيا، ما يعزّز من أهمّية الاستثمار في هذا القطاع الحيوي.
وفي إطار هذا التّوجّه، انخرط المغرب في شراكات صناعية استراتيجية، من أبرزها التّعاون مع شركة بايكار، التي تستعد لإطلاق وحدة صناعية لإنتاج الطّائرات بدون طيّار عبر فرعها “أطلس ديفانس”، في خطوة تعكس انتقال المملكة إلى مرحلة التّصنيع المحلّي.
كما عزّزت المملكة هذا المسار من خلال شراكة مع شركة بلوبيرد أيرو سيستيمز، التي شرعت بالفعل في إنتاج طائرات مسيّرة هجومية من طراز “Spy-X” داخل التّراب الوطني، في سابقة تعكس تسارع وتيرة توطين الصّناعات الدّفاعية.
وتكتسي هذه الدّينامية أهمّية متزايدة في ضوء التّجارب الميدانية الأخيرة، التي أظهرت أنّ امتلاك قدرات إنتاج الطّائرات المسيّرة يشكّل عاملًا حاسمًا في ضمان الاستمرارية العمليّاتية خلال النّزاعات.
ولا يأتي هذا التّوجّه في إطار مبادرات معزولة، بل يندرج ضمن رؤية استراتيجية أوسع تهدف إلى إرساء قاعدة صناعية دفاعية وطنية، قادرة على تلبية احتياجات القوّات المسلّحة وتقليص التّبعية للخارج.
وقد تعزّز هذا المسار بإطار قانوني منظّم، يتيح التّصنيع المشترك مع شركاء دوليّين، ويشجّع على إدماج المكوّنات المحلية، إلى جانب إحداث مناطق صناعية متخصّصة لجذب الاستثمارات في هذا القطاع.
وتعكس المشاريع المتعدّدة التي تمّ إطلاقها، سواءٌ في مجال الطّائرات المسيّرة أو الصّناعات العسكرية الأخرى، توجّهًا واضحًا نحو بناء منظومة صناعية دفاعية متكاملة، قائمة على تنويع الشّراكات وتطوير الكفاءات الوطنية، في أفق تموقع المغرب كفاعل إقليمي في هذا المجال.








