تعيش مدينة القصر الكبير، منذ السّاعات الأولى من صباح الخميس، وضعاً مائياً بالغ الحساسية، في أعقاب ارتفاع متسارع لمنسوب المياه بعدد من أحيائها، في سياق فيضاني ناتج عن تزامن تساقطات مطرية كثيفة مع كميّات استثنائية من المياه المصروفة من سد وادي المخازن نحو مجرى وادي اللوكوس.

وأفادت معطيات ميدانية متطابقة، استقتها مصادر محلية، بأنّ الأحياء الواقعة في المناطق المنخفضة، وعلى رأسها حي المرينة، شهدت ارتفاعاً في منسوب المياه بلغ نحو 80 مليمتراً، وسط مؤشّرات تؤكّد استمرار المنحى التّصاعدي، نتيجة تواصل التّساقطات المطرية بالأحواض العليا المغذّية للسّد، خصوصاً بالمناطق الجبلية التّابعة لوزان وشفشاون.

ووفق المصادر ذاتها، فإنّ الضّغط المتزايد على وادي اللوكوس تجاوز قدرته الاستيعابية، ما أدّى إلى تعطّل فعّالية شبكات الصّرف الصحّي وارتداد المياه داخل المجال الحضري، في وقت أصبحت فيه البنيات التّحتية عاجزة عن مواكبة حجم التّدفّقات المسجّلة.

وتشير البيانات التّقنية إلى أنّ المدينة سجّلت، خلال أقل من 24 ساعة، معدّلات تساقطات فاقت 70 مليمتراً في بعض النّقاط، وهو مستوى يفوق المعدّل الموسمي بكثير، وأحدث ضغطاً غير مسبوق على منشآت التّطهير السّائل، خاصّةً في الأحياء المشيّدة على مستويات طبوغرافية منخفضة.

وفي هذا السّياق، دخل سد وادي المخازن مرحلة التّفريغ التّلقائي بعد وصول حقينته إلى مستوى المفيض، ما استوجب تصريف الفائض المائي بشكل آلي نحو وادي اللوكوس. وبيّنت الأرقام المتداولة أنّ صبيب الإفراغ بلغ، خلال فترات معيّنة، أكثر من 1100 متر مكعّب في الثّانية، في مؤشّر يعكس حجم الكتلة المائية المتدفّقة واحتمالات تطوّر الوضع نحو مستويات أكثر خطورة في حال استمرار نفس الوتيرة المطرية.

ميدانياً، أدّت الفيضانات إلى شبه عزل مدينة القصر الكبير عن محيطها، عقب انقطاع معظم المحاور الطّرقية المؤدّية إليها، باستثناء طريق تطفت، التي تُعد أعلى نقطة جغرافية بالمدينة، والتي جرى اعتمادها مركزاً لتنسيق تدخّلات فرق الإنقاذ والسّلطات المكلّفة بتدبير الأزمة.

وعلى صعيد الإجلاء، أكّدت المصادر أنّ العملية بلغت مراحلها النّهائية، بعد نقل الغالبية العظمى من السكّان إلى مراكز إيواء آمنة، فيما لا يزال عدد محدود من الأشخاص داخل المدينة، إمّا بدافع رفض المغادرة أو عبر الاحتماء داخل المنازل، رغم التّحذيرات الرّسمية.

وحذّرت المصادر من أنّ بقاء هؤلاء يشكّل خطراً بالغاً، خاصّةً في ظل الانقطاع التّام للماء والكهرباء، ما يجعل المدينة عملياً دون مقوّمات العيش الأساسية أو القدرة على التّدخّل السّريع في حال حدوث طارئ.

وتفيد المعطيات المتوفّرة بأنّ أي ارتفاع إضافي في منسوب وادي اللوكوس، أو تسريع مفاجئ في وتيرة تفريغ السّد، قد يدفع بالأوضاع نحو سيناريوهات أكثر تعقيداً، الأمر الذي يفرض أقصى درجات اليقظة والاستعداد خلال السّاعات المقبلة، في انتظار تحسّن الأحوال الجوّية وتراجع الضّغط على الحوض المائي.

وفي تصريح صحفي، أوضح رئيس جماعة القصر الكبير، محمد السيمو، أنّ عمليّة تنفيس سد وادي المخازن انطلقت بشكل تدريجي ومحكوم بمعايير تقنية دقيقة، مؤكّداً أنّها ستُتّبع بتقييم شامل للوضع داخل المدينة، يشمل رصد تطوّر منسوب المياه داخل الأحياء السّكنية، ومدى تأثر البنيات التّحتية والشّبكات الحيوية، خصوصاً بالمناطق الأكثر هشاشة.

وأكّد المسؤول الجماعي أنّ السّلطات اعتمدت منذ البداية مقاربة استباقية، عبر تفعيل قرار الإخلاء الوقائي الشّامل، تفادياً لأي تفاقم محتمل في ظل المعطيات المناخية المسجّلة. وأضاف أنّ المدينة أصبحت شبه خالية من سكّانها، باستثناء حالات فردية محدودة، رغم التّنبيهات المتكرّرة إلى مخاطر البقاء.

وشدّد السيمو على أنّ هذا السّلوك الفردي يعقّد عمليّات التّدخّل، لا سيما مع انقطاع الخدمات الأساسية، مبرزاً أنّ حماية الأرواح تظل أولوية مطلقة في تدبير هذه المرحلة الحرجة.

وفي ما يخص مرحلة الإيواء، أشار إلى أنّ وزارة الدّاخلية عبّأت إمكانيات لوجستيكية وبشرية واسعة لاستقبال الأسر التي جرى إجلاؤها، مع تجهيز مراكز إيواء تستجيب لمتطلّبات الكرامة الإنسانية، وتوفير الاحتياجات الأساسية من غذاء وتدفئة، بهدف التّخفيف من الآثار الاجتماعية والنّفسية للوضع الطّارئ.

أمّا على مستوى التّضامن، فأوضح أنّ السّلطات اعتمدت تنظيماً محكماً لعمليّة استقبال وتوزيع المساعدات، عبر إحداث مخازن مركزية ولجان تنسيق، خصوصاً بمدينة طنجة، لضمان الشّفافية وعدالة التّوزيع ومنع أي اختلالات محتملة.

ويأتي هذا الاستنفار في ظل ظرفيّة مناخية استثنائية شهدتها مدينة القصر الكبير ومحيطها القروي خلال الأيّام الأخيرة، حيث تسبّبت الأمطار الغزيرة في ارتفاع مقلق لمنسوب مياه وادي اللوكوس، بالتّوازي مع تجاوز سد وادي المخازن لسعته التّشغيلية المعتادة، ما فرض اللّجوء إلى التّنفيس التّقني، ودفع السّلطات إلى اعتماد خيار الإخلاء الوقائي كإجراء لا رجعة فيه، تفادياً لأي تطوّر مفاجئ قد تكون كلفته البشرية جسيمة.