كشفت معطيات متداولة عن توجيهات داخليّة صادرة عن قيادة الجبهة الإنفصالية “البوليساريو” تدعو مناصريها، لا سيما النّشطاء على منصّات التّواصل الاجتماعي، إلى توخّي الحذر في التّعبير عن مواقفهم بشأن التّوتّرات الدّولية، خصوصًا ما يتعلّق بالصّراع بين الولايات المتّحدة وإيران، مع تجنّب أي خطاب قد يُفهم على أنّه معادٍ لـ”واشنطن”.

وجاءت هذه الدّعوة في سياق تحذير غير مباشر عبّر عنه أحد الوجوه البارزة في الجبهة، أبي بشرايا البشير، الذي سبق أن شغل مهام تمثيلية في أوروبا، حيث أشار إلى حساسية المرحلة الدّولية الرّاهنة وانعكاساتها المحتملة على ملف الصّحراء، في ظل تداخل الأبعاد الجيوسياسية مع مسار التّسوية الأممية.

وأكّد المصدر ذاته أنّ هذه التّحذيرات تعكس قلقًا متناميًا داخل قيادة البوليساريو من تأثير المواقف الرّقميّة لأنصارها، خاصّةً في ظل التّطوّرات المرتبطة بالموقف الأمريكي، والدّور الذي تلعبه واشنطن في دعم المسار التّفاوضي المرتبط بمبادرة الحكم الذّاتي التي يقترحها المغرب، في أعقاب قرارات أممية حديثة.

وفي رسالة عبر منصّة “إكس”، شدّد البشير على ضرورة التّحلّي بضبط النّفس وتجنّب التّفاعل الانفعالي مع الأحداث الدّولية، مبرزًا أنّ أي مواقف غير محسوبة قد تكون لها انعكاسات سلبية على موقع الجبهة في المفاوضات، في إشارةٍ إلى حساسية التّوازنات السّياسية الرّاهنة.

كما دعا إلى الالتزام بخطاب منضبط يحافظ على مصالح الجبهة، في ظل ما وصفه بمرحلة دقيقة تتطلّب قدرًا كبيرًا من الحذر، خاصّةً مع التّحوّلات المتسارعة في مواقف الفاعلين الدّوليّين تجاه النّزاع المفتعل.

وتأتي هذه التّطوّرات في وقت تتزايد فيه الضّغوط الأمريكية لدفع الجبهة الإنفصالية نحو التّفاعل الإيجابي مع مقترح الحكم الذّاتي، وهو ما يجعل الحفاظ على قنوات التّواصل مع واشنطن أولوية استراتيجية بالنّسبة لقيادتها.

بالموازاة مع ذلك، يشهد المشهد السّياسي الأمريكي نقاشًا متصاعدًا بشأن تصنيف البوليساريو ضمن التّنظيمات الإرهابية، حيث طُرحت مقترحات تشريعية في هذا الاتّجاه داخل الكونغرس، من بينها مبادرة قادها السيناتور الجمهوري تيد كروز، الذي دعا صراحةً إلى إدراج الجبهة في القوائم السّوداء.

ولا يقتصر هذا التّوجّه على المبادرات التّشريعية، بل يمتد إلى مواقف صادرة عن شخصيّات سياسية بارزة، عبّرت عن مخاوف من طبيعة علاقات الجبهة الإقليمية، خاصّةً ما يُثار حول ارتباطاتها بإيران، وهي معطيات تُستخدم لتعزيز فرضية تصنيفها كتهديد للأمن الإقليمي.

وفي السّياق ذاته، وصف مشروع قانون أمريكي الجبهة بأنّها تؤدّي دورًا يخدم مصالح طهران في منطقة غرب إفريقيا، وهو توصيف يحمل أبعادًا سياسية وأمنية قد تترتّب عليه إجراءات تصعيدية محتملة.

كما انضمّت شخصيّات أمريكية سابقة إلى هذا الطّرح، من بينها جيسون غرينبلات، الذي سبق أن اضطلع بمهام دبلوماسية في إدارة الرّئيس دونالد ترامب، حيث عبّر عن دعمه لفكرة تصنيف الجبهة ضمن التّنظيمات الإرهابية، محذّرًا من تجاهل تداعيات علاقاتها الخارجية.

في ضوء هذه المعطيات، يبدو أنّ قيادة البوليساريو تتّجه نحو تبنّي مقاربة أكثر تحفّظًا في خطابها العلني، عبر توجيه أنصارها إلى تجنّب التّصريحات المثيرة للجدل، خاصّةً في ظل التّوتّرات الإقليمية والدّولية المتصاعدة.

ويعكس هذا التّوجه إدراكًا متزايدًا داخل الجبهة لتقلّص هامش المناورة السّياسية، حيث باتت المواقف، بما في ذلك تلك الصّادرة عبر الفضاء الرّقمي، ذات تأثير مباشر على مسار القضيّة، في مرحلة تتّسم بتعقيد التّوازنات الدّولية وتسارع التّحوّلات الجيوسياسية.