سجّلت أسعار المحروقات في المغرب ارتفاعات حادّة خلال الأسابيع الأخيرة، متأثّرةً بالتّقلّبات القويّة التي تعرفها الأسواق الدّولية للطّاقة في ظل تصاعد التّوتّرات الجيوسياسية في الشّرق الأوسط، ما أدّى إلى انتقال سريع لتداعيات الأزمة إلى السّوق المحلية في سياق نظام تحرير الأسعار.

وأضحت أسواق الطّاقة العالمية أكثرَ ارتباطاً بالتّطوّرات الميدانية للنّزاعات، خاصّةً مع استهداف منشآت إنتاج وتكرير النّفط، الأمر الذي دفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة في فترة وجيزة. وارتفع سعر خام برنت من نحو 73 دولاراً للبرميل نهاية فبراير إلى ما يفوق 110 دولارات أواخر مارس، في حين تضاعفت تقريباً أسعار المنتجات المكرّرة، وعلى رأسها الغازوال، الذي يمثّل ركيزة أساسية للنّقل والأنشطة الاقتصادية بالمملكة.

وفي قراءةٍ للوضع، اعتبر الحسين اليماني، الكاتب العام للنّقابة الوطنية للبترول والغاز، أنّ هذه التّطوّرات تكشف عن اختلالات بنيوية في السّوق الوطنية، مشيراً إلى أنّ الفارق بين أسعار النّفط الخام والمنتجات المكرّرة يعكس الأهمية الاستراتيجية لقطاع التّكرير.

وأوضح أنّ سعر لتر النّفط الخام بلغ نحو 6.7 دراهم في الأسواق الدّولية، مقابل حوالي 10.9 دراهم للغازوال، أي بفارق يتجاوز 4 دراهم، وهو ما يترجم، وفق تقديراته، إلى كلفة إضافية كبيرة بالنّظر إلى حجم الاستهلاك الوطني الذي يقارب 7 مليارات لتر سنوياً.

ويرى المتحدّث أنّ هذه المعطيات تعيد طرح إشكالية غياب قدرات التّكرير المحلية، خاصّةً بعد توقّف مصفاة المحمدية، معتبراً أنّ ذلك يحرم البلاد من آلية مهمّة للتّخفيف من أثر الصّدمات الخارجية سواء عبر الإنتاج أو التّخزين.

وفي ظل هذه التّطوّرات، يُتوقّع أن تنعكس الأسعار الدّولية على السّوق الدّاخلية، حيث قد يصل سعر لتر الغازوال إلى مستويات تقارب 18 درهماً بعد احتساب الضّرائب وتكاليف التّوزيع وهوامش الرّبح، ما يشكّل ضغطاً متزايداً على القدرة الشّرائية للأسر وعلى تكاليف الإنتاج بالنّسبة للمقاولات.

ويمتد تأثير هذا الارتفاع إلى مختلف القطاعات، خصوصاً النّقل، الذي يواجه ارتفاعاً في تكاليف التّشغيل مع محدودية القدرة على تمرير الزّيادات إلى المستهلك النّهائي، وهو ما ينعكس تدريجياً على أسعار السّلع والخدمات، ويغذّي موجة تضخّمية في سياق اقتصادي واجتماعي حسّاس.

وفي هذا السّياق، تتجدّد الدّعوات إلى مراجعة السّياسات المعتمدة في قطاع المحروقات، بما يشمل إعادة النّظر في نظام تحرير الأسعار، وضبط هوامش أرباح الفاعلين، إلى جانب دراسة إمكانية تخفيف العبء الضّريبي بشكل مؤقّت، أسوة بإجراءات اعتمدتها عدّة دول لمواجهة تداعيات الأزمات الطّاقية.

كما يبرز النّقاش حول ضرورة وضع استراتيجية وطنية لتعزيز السّيادة الطّاقية، عبر تطوير قدرات التّكرير والتّخزين، وتحسين الإطار التّنظيمي للقطاع، بما يتيح للدّولة لعب دور أكثر فاعلية في تأمين الإمدادات وضبط السّوق، في ظل بيئة دولية تتّسم بعدم اليقين.