تتّجه المملكة المغربية والجمهورية الفرنسية نحو بلورة إطار تعاقدي جديد لعلاقاتهما الثّنائية، من خلال التّحضير لتوقيع معاهدة صداقة استراتيجية مرتقبة في أفق سنة 2026، في سياق إقليمي يتّسم بإعادة تشكيل التّحالفات في غرب المتوسّط ومنطقة السّاحل.

ويأتي هذا التّوجّه بعد أشهر من التّأجيل مقارنة بالموعد الذي سبق أن أعلنه الرّئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال زيارته الرّسميّة إلى المغرب في أكتوبر 2024، بما يعكس إرادة سياسية مشتركة لدى الرباط وباريس لإعادة هيكلة علاقتهما ضمن إطار مؤسّساتي مستدام يضمن وضوح الرّؤية واستمرارية التّعاون، ويحد من تأثير التّقلّبات الظّرفية التي طبعت مراحل سابقة.

ووفق ما أورده موقع Africa Intelligence، فقد تمّ إحداث لجنة مشتركة تضم 12 شخصيّة من الجانبيْن، أوكلت إليها مهمّة تحديد التّوجّهات الاستراتيجية للعلاقات المغربية-الفرنسية خلال العقود الثّلاثة المقبلة. ويستند هذا المسار إلى نماذج أوروبية في الشّراكات بعيدة المدى، من قبيل المعاهدة الفرنسية-الألمانية الموقّعة سنة 1963، ومعاهدة فرنسا-إيطاليا لعام 2021، بهدف إرساء آلية مؤسّساتية تعزّز استقرار التّعاون بمعزل عن التّحوّلات السّياسية العابرة.

ومن المرتقب أن يتوّج الإعلان عن المعاهدة بزيارة دولة يقوم بها الملك محمد السادس إلى باريس، في خطوة ذات حمولة سياسية ورمزيّة تعكس مستوى الثّقة المتبادلة والرّغبة في الارتقاء بالعلاقات إلى مرتبة شراكة استراتيجية استثنائية.

وتضم اللّجنة من الجانب المغربي مصطفى التراب، الرّئيس المدير العام لمجموعة OCP Group، وشكيب بنموسى، المندوب السّامي للتّخطيط والسّفير السّابق في باريس، إضافةً إلى مونية بوستة، الكاتبة العامّة لوزارة الشّؤون الخارجية. ومن الجانب الفرنسي، يشارك كل من جان-لويس جيرو، رئيس معهد التّوقّعات الاقتصادية للمتوسّط، وإليزابيث غيغو، وزيرة العدل السّابقة، إلى جانب هوبير فيدرين، وزير الخارجية الأسبق، في بلورة التّصوّر العام للشّراكة.

وكان الرّئيس الفرنسي قد قام سنة 2024 بزيارة دولة إلى المغرب استمرّت ثلاثة أيّام، شكّلت محطّة مفصلية في مسار العلاقات الثّنائية، إذ أسهمت في طيْ صفحة توتّر دبلوماسي كان قد برز في أعقاب تقليص باريس عدد التّأشيرات الممنوحة للمواطنين المغاربة، في سياق خلافات مرتبطة بملفّات الهجرة وقضيّة الصّحراء.

وجاءت الزّيارة بدعوة من الملك محمد السادس، ورافق الرّئيس الفرنسي وفد رفيع المستوى ضمّ وزراء ورجال أعمال، في مؤشّر على توجّه مشترك لإعادة إطلاق التّعاون السّياسي والاقتصادي على أسس متينة. كما تزامنت مع تحوّل في الموقف الفرنسي من ملف الصّحراء، في سياق إقليمي ودولي أعقب إعلان الولايات المتّحدة، أواخر عام 2020، الاعتراف بسيادة المغرب على الصّحراء.

وخلال خطاب ألقاه ماكرون أمام البرلمان المغربي، جدّد تأكيد دعم بلاده لسيادة المغرب على الصّحراء، معتبرًا أنّ مستقبل المنطقة يندرج ضمن هذا الإطار، كما أعلن عن توجّه الفاعلين الاقتصاديين الفرنسيّين لمواكبة تنمية الأقاليم الجنوبية عبر استثمارات مستدامة، إضافةً إلى التزام بالتّحرّك دبلوماسيًا داخل الأمم المتّحدة والاتّحاد الأوروبي دعمًا لمقترح الحكم الذّاتي الذي يطرحه المغرب كأساس لتسوية النّزاع.