وضعت ورقة تحليلية صادرة عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة (CAESD) نظام التوقيت القانوني المعتمد في المغرب تحت مجهر التقييم الشامل، معتبرة أن تثبيت توقيت غرينتش زائد ساعة (GMT+1) منذ 26 أكتوبر 2018 خيار ذو تبعات صحية واجتماعية واقتصادية تستوجب مراجعة مستقلة مبنية على الأدلة بعد مرور أكثر من سبع سنوات على اعتماده.
الورقة، الممتدّة على 18 صفحة، تؤطّر النّقاش ضمن مفهوم “السّيادة الزّمنية”، أي قدرة الدولة على مواءمة توقيتها الرسمي بين متطلبات الاندماج الاقتصادي الدولي وحماية الرأسمال البشري وجودة الحياة. وخلص ملخصها التنفيذي إلى أن مكسب التزامن مع الشركاء الأوروبيين يقابله، بحسب الأدبيات العلمية المستعرضة، كلف موثقة تمس الصحة العامة والسلامة الطرقية والعدالة المجالية، دون حسم علمي قاطع بشأن وفورات الطاقة أو تحسن الإنتاجية الإجمالية.
في الشق الصحي، استندت الدراسة إلى أبحاث دولية حول ما يعرف بـ”التّأخّر الاجتماعي” (Social Jetlag)، مشيرة إلى أن الابتعاد عن التوقيت الشمسي الطبيعي يرتبط باضطرابات النوم وارتفاع مخاطر أمراض مزمنة. كما أوردت نتائج دراسات شبه تجريبية تربط بين الغروب المتأخر وفقدان دقائق يومية من النوم، مع آثار سلبية محتملة على المراهقين والتحصيل الدراسي. وأشارت إلى توصيات هيئات علمية، من بينها الأكاديمية الأمريكية لطب النوم والجمعية الأوروبية للساعة البيولوجية، التي تميل إلى تفضيل التوقيت القياسي الدائم انسجاماً مع الساعة البيولوجية.
وعلى صعيد السلامة الطرقية، استعرضت الورقة أبحاثاً تربط بين “الصّباح المظلم” وارتفاع مخاطر حوادث السير في بعض السياقات الغربية، مع تنبيه منهجي إلى أن هذه المعطيات لا تشكل دليلاً سببياً مباشراً على الحالة المغربية. وفي هذا الإطار، أوردت أرقاماً رسمية لضحايا حوادث السير بين 2020 و2024 صادرة عن وزارة النّقل والوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (NARSA)، مؤكدة أن تعدد العوامل المؤثرة يقتضي دراسات سببية دقيقة قبل استخلاص أي استنتاجات حاسمة.
وفي الجانب الطّاقي، شكّكت الدّراسة في فرضية تحقيق وفورات ملموسة في استهلاك الكهرباء، مستشهدة بتجارب مقارنة، بينها حالة تركيا التي اعتمدت التوقيت الصيفي الدائم منذ 2016 دون تسجيل مكاسب معتبرة، إضافة إلى دراسات أمريكية تشير إلى زيادات طفيفة في الاستهلاك المنزلي بسبب استعمال التكييف مساءً.
اقتصادياً، أقرت الورقة بأن GMT+1 يوفر ساعة تداخل إضافية شتاءً مع أسواق الاتحاد الأوروبي، الشريك التجاري الأول للمملكة، ما يفيد قطاعات مثل ترحيل الخدمات والصناعات المصدرة. غير أنها لفتت إلى أن هذا المكسب قد يقابله تقلص نسبي في التداخل الزمني مع أسواق أخرى، في سياق سعي المغرب إلى تنويع شراكاته الدولية.
واستعرضت الوثيقة المسار القانوني للتوقيت منذ اعتماد النظام الموسمي سنة 2012، مروراً بالمرسوم رقم 2.18.755 الصادر في أكتوبر 2018 الذي كرّس GMT+1 كتوقيت دائم، وصولاً إلى قرار سنة 2026 القاضي بالعودة المؤقتة إلى توقيت غرينتش خلال شهر رمضان، معتبرة أن هذا الاستثناء السنوي يحدّ من استقرار النظام الزمني.
وخلصت الدراسة إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة: العودة الدائمة إلى توقيت غرينتش، أو الإبقاء على GMT+1 مع تدابير تصحيحية مثل تأخير الدخول المدرسي شتاءً، أو اعتماد نظام موسمي جديد منسجم مع الدورة الأوروبية، مع التحذير من الكلف الصحية والإنتاجية المرتبطة بالتغييرات الموسمية المتكررة.
وفي توصياتها، دعت إلى نشر الدراسة الحكومية التي استند إليها قرار 2018، وتمكين الباحثين من بيانات مفصلة حول استهلاك الطاقة وحوادث السير، وتكليف جهة وطنية مستقلة بإنجاز تقييم كلفة-منفعة شامل، إلى جانب إطلاق استشارة عمومية تقيس الأثر الاجتماعي لما يسمّى “الصّباح المظلم”.
وختمت الورقة بالتّأكيد أنّ مسألة التوقيت لم تعد مجرد خيار إداري، بل قرار سيادي طويل الأمد يرتبط بتوازن المغرب بين اعتبارات السوق وصحة المجتمع وموقعه ضمن النظام الزمني الدولي.





