يتصاعد النّقاش داخل الساحة السياسية الموريتانية بشأن إمكانية مراجعة بعض المقتضيات الدستورية، وفي مقدمتها المادة المتعلقة بتحديد عدد المأموريات الرئاسية، في وقت تستعد فيه البلاد لإطلاق حوار وطني يُفترض أن يتناول قضايا الإصلاح السياسي.
ويأتي هذا السجال على خلفية دعوات صادرة عن شخصيات محسوبة على الأغلبية لطرح مسألة سقف الولايات ضمن جدول أعمال الحوار المرتقب، بما قد يفتح الباب أمام نقاش دستوري بشأن أحقية الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني في الترشح لمأمورية ثالثة. وأثارت هذه الطروحات انتقادات من أطراف معارضة اعتبرتها مساساً بمبدأ التناوب السلمي المنصوص عليه في الدستور.
وتزامن الجدل مع جولة داخلية يجريها الرئيس في عدد من المدن، خُصصت لبحث ملفات تنموية، غير أن بعض اللقاءات شهدت مداخلات سياسية دعت صراحة إلى تعديل النصوص الدستورية. وخلال أحد الاجتماعات، اعتبر النائب السابق الدان ولد عثمان أن حصر الرئاسة في ولايتين “ليس خياراً ملزماً لإرادة الناخبين”، داعياً إلى فتح نقاش وطني هادئ حول المسألة.
ولم يصدر عن الرئيس موقف مباشر من هذه الدعوات. وكان قد أكد في تصريحات سابقة أن الحوار الوطني “لا يستثني أي موضوع”، معتبراً في الوقت ذاته أن الحديث عن استحقاق 2029 سابق لأوانه.
في المقابل، عبّر معارضون عن رفضهم إدراج ملف المأموريات ضمن أجندة الحوار. ووصف النائب البرلماني المعارض محمد الأمين ولد سيدي مولود الطرح بأنه غير دستوري، محذراً من تداعيات المساس بما اعتبره “ضمانة للاستقرار والتداول السلمي للسلطة”.
ورغم التزام حزب الإنصاف الحاكم الصمت حيال المبادرات المثارة، دافع النائب أحمد جدو الزين عن فكرة المراجعة، معتبراً أن تعديل الدستور يظل حقاً سيادياً متى تم وفق المساطر القانونية والضمانات المعتمدة.
ويستند النقاش إلى دستور أُقر عام 2005 وتضمّن مواد محصّنة تمنع رئيس الجمهورية من الترشح لأكثر من ولايتين، كما تنص على تعهد بعدم السعي إلى تعديل تلك المواد. ويشغل الغزواني، وهو جنرال متقاعد، منصبه منذ انتخابه عام 2019 وإعادة انتخابه في 2024، ولا يتيح له النص الحالي خوض انتخابات 2029.
وفي موازاة ذلك، أُعلن في نواكشوط عن تأسيس إطار سياسي جديد باسم “تحالف التناوب الديمقراطي” بدعم من شخصيات مقربة من الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، يُتوقع أن يتخذ موقفاً معارضاً لأي تعديل محتمل يمس عدد المأموريات.
ويرى مراقبون أن عودة النقاش حول القيود الدستورية تعكس حيوية المشهد السياسي قبيل إطلاق الحوار الوطني، لكنها تكشف أيضاً عن انقسام واضح بين تيار يعتبر مراجعة النصوص خياراً سيادياً قابلاً للنقاش، وآخر يعدّها خطاً أحمر مرتبطاً باستقرار البلاد وضمان التداول السلمي على السلطة.







